تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 73)جامع البيانالطبري٢٠/٧٣: قال: أي هذا الذي أعطيناك يا سليمان من الملك العريض وتسخير الريح والشياطين هو عطاؤنا وفضلنا ومنحتنا الجزيلة؛ فامنن على من شئت فأعطه وتفضل عليه، أو أمسك عمن شئت فامنع، بغير حساب ولا حرج عليك ولا مؤاخذة فيما تعطيه وتمنعه، ثقةً من الله بحكمتك وعدلك.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 69)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٦٩: أوضح أن الله تعالى فوض إلى سليمان التصرف المطلق في هذا الملك العظيم، وجعله ملكاً نبياً يعطي بحكمة ويمنع بعدل دون أن يحاسب حساب تضييق، لعلم الله بكمال ورعه وإخلاصه.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 203)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/٢٠٣: بين أن قوله {بِغَيْرِ حِسَابٍ} يحتمل معنيين؛ إما بغير حساب عليك في الآخرة، أو بغير تضييق ولا نهاية لعطائنا الفياض لك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَامْنُنْ}: الفاء فصيحة، امنن: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{أَوْ}: حرف تخيير وإباحة.
{أَمْسِكْ}: معطوف على امنن، فعل وفاعل مستتر.
{بِغَيْرِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من العطاء أو الفاعل (أي غير محاسَب)، وهو مضاف.
{حِسَابٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: تتويج إلهي باذخ لقصة سليمان؛ فبعد أن أراه تفاصيل التسخير المعجز للريح والشياطين استجابة لدعوته، فوض الله إليه الأمر في التصرف المطلق كرامةً له وشهادةً بأمانته وحسن سياسته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين مقام "الملك النبي" ومقام "العبد الرسول":
المحاكمة العقدية والنبوية العميقة:
سليمان عليه السلام كان "ملِكاً نبياً"، أباح الله له الدنيا والتصرف فيها بغير حساب: {فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد خيره ربه بين أن يكون "ملكاً نبياً" أو "عبداً رسولاً"، فاختار نبينا صلى الله عليه وسلم بتواضعه الأسمى أن يكون "عبداً رسولاً"؛ يجوع يوماً فيصبر ويشبع يوماً فيشكر (رواه أحمد وصححه الحاكم)؛ فكان مقام العبد الرسول هو الأكمل والأعلى على الإطلاق في مدارج العبودية والتجرد.
إسناد العطاء إلى نا العظمة {عَطَاؤُنَا}: لبيان أن هذا الملك ليس كسائر ملوك الأرض بل هو فيض رباني مباشر لا نظير له.
التخيير المطلق {فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ}: أرفع شهادة إلهية بنضج الحكمة ورسوخ العصمة؛ إذ لا يفوض الله التصرف المطلق بغير حساب إلا لمن علم نقاء سريرته واستحالة اتباعه للهوى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج الأخلاقي والقيادي: إذا ائتمن الله عبداً على مال أو منصب، فعليه أن يكون جواداً كريماً بالمنّ والعطاء، حكيماً في الإمساك والمنع، وأن يضع المال في مصارف الخير.
الوجدان الإيماني: الشكر لله على نعمه، والتطلع إلى نيل الكرامة الأبدية في جنات النعيم التي لا تنفد عطاياها.