تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 60)جامع البيانالطبري٢٠/٦٠: ذكر الطبري قولين للمفسرين في معنى {مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ}:
القول المشهور في الإسرائيليات: أنه أخذ السيف وقطع سوقها وأعناقها غضباً لله لما شغلته عن الصلاة!
القول المحقق الذي اختاره ابن جرير الطبري نفسه ونقله عن جمع من أئمة التفسير واللغة: أنه أمر برد الخيل إليه فطفق يمسح بيده أعرافها وسوقها وأعناقها إكراماً لها ومحبة للجهاد وتبركاً بها وإزالة للغبار عنها، وتدريباً وإعداداً لها في سبيل الله.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 65)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٦٥: أوضح أن هذا القول الثاني هو الأليق بجلال مقام النبوة؛ قال: "وقد رجح ابن جرير أنه طفق يمسح سوقها وأعناقها، بيده، إكراماً لها ومحبة لها... وهذا الذي اختاره ابن جرير هو المتعين؛ لأنه لم يكن ليعذب حيواناً ويهلك مالاً عظيماً بغير ذنب، بل الخيل خيل جهاد".
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 190)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٩٠: بين أن المسح بالسوق والأعناق مسح حقيقي بالأيدي على وجه التكريم والوسم وتفقد سلامتها؛ إذ حاشا لسليمان أن يعقر خيل الجهاد المباركة بالسيف بغير مبرر شرعي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{رُدُّوهَا}: الإعادة والرجوع؛ أمر برد الخيل بعد أن ذهبت شوطاً في العدو أو العرض.
{فَطَفِقَ}: أخذ وجعل وشرع في الفعل؛ وهو من أفعال الشروع التي ترفع الاسم وتنصب الخبر.
{مَسْحًا}: المسح: إمرار اليد على الشيء بلطف ولين، أو المسح بالسيف إن فسر بالقطع (وهو مردود).
{بِالسُّوقِ}: جمع ساق، وهي ما بين الكعب والركبة من قوائم الدابة.
{وَالْأَعْنَاقِ}: جمع عُنُق، وهي موصل الرأس بالجسد.
الإعراب التفصيلي:
{رُدُّوهَا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به.
{عَلَيَّ}: متعلقان بـ {رُدُّوهَا}.
{فَطَفِقَ}: الفاء عاطفة، طفق: فعل ماض ناقص من أفعال الشروع، واسمها ضمير مستتر تقديره هو.
{مَسْحًا}: مفعول مطلق لفعل محذوف يمسح مسحاً وجملته خبر طفق (أي طفق يمسح مسحاً)، أو مفعول به لطفق بتأويل: جعل يمسح مسحاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: ختام المشهد؛ بعد قوله {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} أتبع قوله بالفعل الميداني: {رُدُّوهَا عَلَيَّ}، فباشر بيده الشريفة تفقد أعناقها وسوقها ترويضاً وإعداداً لها في سبيل الله وتقرباً إلى ربه بحفظ عتاد الجهاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
إبطال أسطورة عقر سليمان للخيل بالسيف وقتلها:
المحاكمة العقدية والأخلاقية المحكمة لكبار المحققين (ابن جرير، ابن كثير، ابن حزم، فخر الدين الرازي):
الزعم بأن سليمان ذبح الخيل وعقر أرجلها وأعناقها بالسيف انتقاماً لنفسه لأنها شغلته عن الصلاة هو من أبطل الإسرائيليات وأقبحها؛ فالخيل لا ذنب لها في فوات الصلاة، وإتلاف المال المعصوم عبث محرم وسفه تأباه جميع الشرائع السماوية، فضلاً عن تعذيب حيوان بهيم أعد للجهاد في سبيل الله.
كيف يثني الله عليه قبل هذه الآية بـ {نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، ويمدحه بعدها بالملك والتسخير، ثم يكون فاعلاً لمثل هذه الجريمة المفسدة في الأرض؟! هذا تناقض تأباه نصوص التنزيل المعصوم.
المعنى الصحيح الراسخ عند أهل التحقيق هو أنه مسح أعرافها وأعناقها وسوقها بيده الشريفة إكراماً وتفقداً وتشجيعاً لفرسان الجهاد.
التعبير بالفعل {فَطَفِقَ} ومصدره {مَسْحًا}: يصور الاستمرار والملازمة والاستغراق الودود الحاني في تفقد كل فرس بنفسه تواضعاً لله وبركوب جياد الجهاد.
تخصيص {السُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ}: لأن الساق هي موضع القوة والسرعة والوثوب في الحرب، والعنق هو موضع الجمال والتحكم في الخيل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج النبوي والرفق بالحيوان: مباشرة القادة والعلماء لتفقد خيل الجهاد ومسحها وإكرامها بأنفسهم؛ اقتداءً بسنة سليمان وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يمسح وجه فرسه بثوبه (رواه مالك والترمذي).
الوجدان الإيماني: صيانة أموال المسلمين وعصمة أرواح الخلائق، والإنكار التام لكل تهمة تنسب القسوة أو السفه إلى أنبياء الله ورسله الكرام.