تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 68)جامع البيانالطبري٢٠/٦٨: قال: بادر سليمان بالاستغفار مقدماً له على مسألة الملك فقال: يا رب اغفر لي ذنبي وتقصيري، وهب لي ملكاً وسلطاناً وتسخيراً عظيماً لا يتيسر ولا يصلح لأحد يكون بعدي إلى يوم القيامة، إنك أنت الوهاب كثير العطايا والمنن الواسعة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 67)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٦٧: أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين (البخاري برقم 461، ومسلم برقم 541) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} فَرَدَدْتُهُ خَاسِئاً».
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 196)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٩٦: بين أن سليمان بدأ بالاستغفار {اغْفِرْ لِي} قبل طلب الملك؛ لأن المغفرة هي رأس المال وأساس الفلاح والبركة في كل نعمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{لَّا يَنبَغِي}: لا ينبغي: لا يصح، ولا يتيسر، ولا يليق بمقتضى التقدير والاصطفاء لغيره.
{الْوَهَّابُ}: صيغة مبالغة تفيد سعة الجود الإلهي الذي لا تنفد خزائنه.
الإعراب التفصيلي:
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر.
{رَبِّ}: منادى بحرف نداء محذوف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء مضاف إليه.
{اغْفِرْ}: فعل دعاء وأمر مجازي مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{لِي}: جار ومجرور متعلقان بـ {اغْفِرْ}.
{وَهَبْ}: معطوف، فعل دعاء مبني على السكون، وفاعله مستتر.
{لِي}: متعلقان بـ {هَبْ}.
{مُلْكًا}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{لَّا}: نافية.
{يَنبَغِي}: مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على ملكاً.
{لِأَحَدٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ {يَنبَغِي}.
{مِّن بَعْدِي}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ {أَحَدٍ}، والياء مضاف إليه، وجملة لا ينبغي لأحد في محل نصب نعت لـ {مُلْكًا}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: أدب نبوي رفيع في الدعاء؛ فلما تاب وأناب من خطأ نسيان الاستثناء، قدم التوبة والاستغفار أولاً {اغْفِرْ لِي}، ثم سأل الله ملكاً استثنائياً ليكون آية معجزة على نبوته، وختم الدعاء بالتوسل باسم الله {الْوَهَّابِ} ليطابق ما ورد في أول السورة من نفي ملك خزائن الوهاب عن المشركين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الأنانية أو حب الدنيا في سؤال ملك لا ينبغي لأحد من بعده:
المحاكمة العقدية والنبوية: لم يكن سؤال سليمان نابعاً من الأثرة والبخل وحب حرمان الآخرين؛ حاشا لمن وصفه الله بـ {نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، بل كان سؤاله طلباً لـ "معجزة علمية وحسية" تؤكد نبوته ورسالته وتكون علماً ظاهراً يعجز البشر والملوك عن مضاهاته إلى يوم القيامة، فكان سؤاله لآية النبوة وإقامة التوحيد وقهر الطواغيت والجن، ولذلك احترم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذه الخصوصية وأطلق العفريت ولم يربطه في المسجد وفاءً وتوقيراً لدعوة أخيه سليمان.