تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 18)جامع البيانالطبري٢٠/١٨: بيّن أن "الأحزاب" المذكورة في الآية السابقة فُصلت هنا؛ فبين أن قوم نوح وعاداً وفرعون كانوا من أشد الأحزاب قوة وتكذيباً، وسماهم الله أحزاباً لتحزبهم على الرسل، ووصف فرعون بـ {ذُو الْأَوْتَادِ}؛ ونقل عن ابن عباس ومجاهد أنه كان يربط الناس بأربعة أوتاد في أيديهم وأرجلهم ويعذبهم بها، وقيل: ذو الأوتاد؛ أي ذو الجيوش والجنود والجموع الكثيرة التي تشد ملكه كما تشد الأوتاد الخيام، وقيل: ذو الأبنية والأهرامات العظيمة الراسخة كالأوتاد.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 56)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٥٦: أوضح أن ذكر هؤلاء لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وبيان أن التكذيب سنة قديمة في أعداء الرسل، وأن قريشاً ليست بأقوى من قوم نوح ولا عاد ولا فرعون ذي القوة والبطش، وقد أهلكهم الله جميعاً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 155)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٥٥: رجح أن الأوتاد تعبير عن عظم سلطانه وتثبيت عساكره واستبداده بالتعذيب الجسدي لمن خالفه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{ذُو الْأَوْتَادِ}: الأوتاد: جمع وتد، وهو ما يُدق في الأرض لتثبيت الخيام والبيوت، أو آلات التعذيب، أو الأهرامات والصروح الشامخة.
الإعراب التفصيلي:
{كَذَّبَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
{قَبْلَهُمْ}: ظرف زمان متعلق بـ {كَذَّبَتْ}، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{قَوْمُ}: فاعل كذبت مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{نُوحٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{وَعَادٌ}: معطوف على قوم مرفوع بالضمة.
{وَفِرْعَوْنُ}: معطوف مرفوع بالضمة ومنع من الصرف للعلمية والعجمة.
{ذُو}: نعت لـ {فِرْعَوْنُ} مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف.
{الْأَوْتَادِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: تفصيل لقوله: {مِّنَ الْأَحْزَابِ}؛ ليعلم كفار قريش من هم الأحزاب وماذا حل بهم؛ استعرض عتاة المكذبين في التاريخ البشري الذين فاقوا قريشاً في البأس والعتاد لبيان أن مصير قريش لن يختلف عنهم إذا استمروا في شقاقهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة اعتزاز الطغاة بالأوتاد والحصون والجيوش:
المحاكمة التاريخية والسننية: فرعون كان يملك الأوتاد العسكرية والصروح الحجرية الهائلة وجيوشاً جرارة، ومع ذلك ابتلعه البحر في لحظة واحدة وصار أثراً بعد عين؛ فكل أوتاد الأرض تتلاشى أمام بأس الله وعذابه إذا حان أجله المحتوم.
الوصف الاستعاري بـ {ذُو الْأَوْتَادِ}: استعارة بالغة الروعة تعكس تغلغل الاستبداد ورسوخ القوة العسكرية في أعماق الأرض كالأوتاد، مما يجعل إهلاكه الإلهي أعظم برهاناً على طلاقة القدرة.
تقديم ذكر قوم نوح وعاد: للتذكير بأقدم وأعتى مظاهر التكذيب الاستئصالي في الذاكرة العربية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج الدعوي: تسلية المصلحين بسير الرسل وتاريخ الصراع؛ فالصراع قديم ممتد، والتمكين لا بد أن تسبقه ابتلاءات ومقارعة لأهل الأوتاد.
الوجدان الإيماني: الاتعاظ بمصائر المستكبرين، وعدم الاغترار بمظاهر القوة العسكرية والمدنية لخصوم الشريعة.