تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 58)جامع البيانالطبري٢٠/٥٨: نقل عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن سليمان عليه السلام لما تفقد خيل الجهاد استغرقته المعاينة والمحبة لها؛ لأنها في سبيل الله، حتى غربت الشمس وتوارت بالحجاب (أي غابت في الأفق واختفت)، ففاتته صلاة العصر أو ورده المعتاد من الذكر والتسبيح، فقال نادماً معاتباً نفسه: إني آثرت حب الخيل وتقديم شأنها تقرباً إلى الله حتى شغلتني عن ورده وذكره في ذلك الوقت.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 64)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٦٤: أوضح أن "الخير" هنا يراد به الخيل؛ والعرب تسمي الخيل خيراً؛ كما في الحديث الصحيح: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ»، وقوله {عَن ذِكْرِ رَبِّي}؛ أي صادراً عن ذكر ربي ومن أجله، أو متجاوزاً به ذكر ربي حتى غابت الشمس واستترت بحجاب الأفق.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 188)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٨٨: ذكر أن تواري الشمس بالحجاب كناية بليغة عن غروبها واحتجاب ضوئها بظلمة الليل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{الْخَيْرِ}: الخيل والمال الصالح المستعمل في طاعة الله والجهاد؛ وسمي الخيل خيراً لبركته.
{عَن ذِكْرِ}: "عن" إما للمجاوزة والاشتغال؛ أي شغلتني عن ذكري، أو للتعليل؛ أي أحببتها حباً ناشئاً عن أمر ربي وذكره.
{تَوَارَتْ}: استترت واختفت عن الأبصار؛ من الوراء والتستر.
{بِالْحِجَابِ}: الحجاب: الساتر والحاجز، والمراد هنا أفق السماء أو الجبل الذي تغرب وراءه الشمس.
الإعراب التفصيلي:
{فَقَالَ}: الفاء عاطفة، قال فعل ماض وفاعله مستتر.
{إِنِّي}: إن واسمها.
{أَحْبَبْتُ}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والجملة خبر إنّ.
{حُبَّ}: مفعول مطلق منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة (أو مفعول به على تضمين أحببت معنى آثرت)، وهو مضاف.
{الْخَيْرِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{عَن ذِكْرِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {أَحْبَبْتُ}، وهو مضاف.
{تَوَارَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على الشمس لدلالة العشي عليها.
{بِالْحِجَابِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {تَوَارَتْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: استكمال مشهد المحاسبة النبوية الدقيقة؛ فلما استغرقته معاينة الخيل وتوارت الشمس، بادر سليمان بنطق المحاسبة الصريحة لنفسه واعترافه بأن هذا الشغل قصر به عن كمال الوقت المخصص لمناجاة الرب سبحانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تعمد النبي ترك الصلاة المفروضة حتى خرج وقتها:
المحاكمة الفقهية والنبوية:
سليمان عليه السلام معصوم من تعمد تفويت الفرائض؛ ولكن كان انشغاله بإعداد خيل الجهاد عبادة شرعية عظمى، فوقع في النسيان أو تأخير الصلاة لعذر الجهاد، كما وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم الخندق حين شغلهم المشركون عن صلاة العصر حتى توارت الشمس بالحجاب فصلاها بعد الغروب وقضى ما فاته (صحيح البخاري برقم 596).
وقيل: كان ذلك ورداً نافلة وتسبيحاً راتباً فات وقته المفضل، فتحسر على فوات الفضل الأعظم في مناجاة ربه.
إطلاق {الْخَيْرِ} على الخيل: للدلالة على نقاء نيته؛ فهو لم يحبها للخيلاء والبطر، بل لأنها وسيلة "الخير" والجهاد وإعلاء كلمة التوحيد.
إضمار الشمس في {تَوَارَتْ} دون ذكرها لفظاً: لظهورها التام في السياق بدلالة "العشي"، وهو من بديع الإيجاز القرآني في التلويح بالمعاني المشهورة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
المنهج التربوي: المحاسبة الدقيقة للخواطر والأوقات؛ فإذا شغل العبد الصالح عمل فاضل عن عمل هو أفضل منه وأحب إلى الله، حزن على فوات الأكمل وتدارك أمره بالإنابة.
الوجدان الإيماني: تعظيم الصلاة والذكر، وتقديم مناجاة الله على كل محبوب ومشاغل الدنيا الفانية.