تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 63)جامع البيانالطبري٢٠/٦٣: أورد الطبري ما روي في معنى الفتنة والجسد، ونبه على تنقية الروايات مما لا يليق بالنبوة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 66)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٦٦: حقق ابن كثير الرواية الصحيحة المطابقة للسنة النبوية؛ فأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين (البخاري برقم 3424، ومسلم برقم 1654) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً (وفي رواية: تِسْعِينَ، وفي رواية: مِائَةِ امْرَأَةٍ) كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ (المَلَكُ): قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ! فَلَمْ يَقُلْ نَسِيَاناً، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ؛ وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَاناً أَجْمَعُونَ».
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 193)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٩٣: بيّن أن "الجسد" الملقى على كرسيه هو ذلك الولد السقط شق الإنسان، ولد ميتاً فألقي على كرسيه تذكيراً له بما فرط منه من نسيان الاستثناء والتعليق بمشيئة الله، فتنبه وأناب واستغفر ربه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{فَتَنَّا}: الفتنة: الابتلاء والتمحيص بالكشف عن مدى التعلق بالله وحده.
{كُرْسِيِّهِ}: الكرسي: سرير الملك ومجلس الحكم والسلطان الخاص به.
{جَسَدًا}: الجسد يطلق في لغة القرآن غالباً على البدن الخالي من الروح والحياة؛ كقوله: {عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ}.
{أَنَابَ}: رجع وتاب وأقبل على الله بالاستغفار.
الإعراب التفصيلي:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، وقد حرف تحقيق.
{فَتَنَّا}: فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل.
{سُلَيْمَانَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة منع من الصرف.
{وَأَلْقَيْنَا}: معطوف، فعل وفاعل.
{عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {أَلْقَيْنَا}، والهاء مضاف إليه.
{جَسَدًا}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{ثُمَّ}: حرف عطف يدل على التراخي الرتبي لعظم شأن الإنابة.
{أَنَابَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: استمرار لبيان مظاهر صفة {إِنَّهُ أَوَّابٌ} المذكورة في مفتتح قصته؛ فبعد امتحان الخيل، ساق هنا أعظم امتحاناته في شأن عقبه وملكه ورغبته في إنجاب فرسان الجهاد، ليتبين كمال رجوعه لربه عند كل تنبيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
إسقاط وتكذيب خرافة سلب الشيطان لخاتم سليمان وجلوسه على عرشه:
المحاكمة العقدية لأهل السنة والجماعة (ابن تيمية، ابن كثير، ابن حزم، القاضي عياض):
تروي الأساطير الإسرائيلية الخرافية أن شيطاناً يقال له "صخر" خدع زوجة سليمان وأخذ خاتمه السحري فجلس على كرسيه أربعين يوماً يحكم بين الناس بالجور ويسبي نساءه، وسليمان هائم على وجهه فاقداً لملكه!
صرخ كبار أئمة التفسير ببطلان هذه الخرافة وكفر من يعتقدها؛ فالشياطين لا قدرة لها على تسور النبوة، ولا يمكن لله تعالى أن يسلط شيطاناً يتقمص صورة نبي معصوم ليحكم بين عباده بالجور ويصل إلى فراش نسائه؛ فهذا هدم لأصل الرسالة والعصمة وثقة الأمة بالشرائع.
التفسير الصحيح المتعين بنص الحديث الصحيح في البخاري ومسلم هو شق الرجل والولد الناقص الذي ولد ميتاً ووضع على كرسيه لعدم قوله "إن شاء الله"، فكان ذلك درساً نبوياً في وجوب تعليق الأمور بمشيئة الله سبحانه.
تنكير {جَسَدًا}: للإشعار بجموده وضعفه ونقصه وخلوه من مظاهر الحياة والحركة؛ ليكون مشهداً مؤثراً يعظ القلب.
التعبير بـ {ثُمَّ أَنَابَ}: إشارة إلى عمق التوبة وثباتها والترقي في معارج القرب بعد هذا الامتحان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج العقدي والتربوي: لزوم التعليق بمشيئة الله وقول "إن شاء الله" في كل ما يعزم عليه المرء من أعمال المستقبل: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}.
الوجدان الإيماني: التوكل التام على الله وإدراك أن الأسباب المادية وحدها لا تنتج نصراً ولا تمكيناً إلا بفيض مشيئة الله وإذنه.