تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 26)جامع البيانالطبري٢٠/٢٦: بيّن أن الله تعالى وهب داود صوتاً ندياً رخياً حسناً لم يُعط أحد مثله، فكان إذا رجّع الزبور بالتسبيح والتحميد، سخر الله الجبال الصم الراسيات تسبح معه وترد عليه تسبيحه بالعشي (وقت العصر إلى الغروب) والإشراق (وقت صلاة الضحى وارتفاع الشمس ضياءً). وأخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت أطلب صلاة الضحى في القرآن حتى وجدتها في قوله تعالى: {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 58)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٥٨: أوضح أن تسخير الجبال للتسبيح حقيقة معجزة تليق بقدرة الله وبكرامة نبيه؛ فكانت الجمادات الصماء تتجاوب مع صوته الإيماني خاشعة مسبحة لربها.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 161)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٦١: ذكر أن "الإشراق" هو إشراق الشمس بعد طلوعها وارتفاعها، وهو وقت صلاة الضحى الثابتة بالسنة النبوية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{سَخَّرْنَا}: التسخير: التذليل والانقياد التام للشيء قهراً وطواعية بأمر الله.
{بِالْعَشِيِّ}: وقت العشي من زوال الشمس إلى غروبها، وخاصة وقت صلاة العصر والمغرب.
{وَالْإِشْرَاقِ}: وقت إضاءة الشمس وإشراقها وارتفاعها ضحى؛ من أشرقت الشمس إذا أضاءت وسطعت، بخلاف شرقت إذا طلعت فقط.
الإعراب التفصيلي:
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، ونا اسمها.
{سَخَّرْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل، والجملة خبر إنّ.
{الْجِبَالَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{مَعَهُ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الجبال، والهاء مضاف إليه.
{يُسَبِّحْنَ}: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة فاعل، والجملة في محل نصب حال من الجبال.
{بِالْعَشِيِّ}: جار ومجرور متعلقان بـ {يُسَبِّحْنَ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: بيان مظاهر ذلك "الأيد" وتلك "الأوبة" المذكورة في الآية السابقة؛ فمن عظمة عبوديته وأوبته أن الله ذلل له أعظم جمادات الأرض وهي الجبال الراسيات لتشاركه مواكب التسبيح في أشرف أوقات النهار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة المجازية وتأويل تسبيح الجبال بدلالة الصنعة:
المحاكمة العقدية لأهل السنة والجماعة: تسبيح الجبال مع داود تسبيح حقيقي نطق به الجماد إعجازاً وكرامة لداود عليه السلام؛ كما سبح الحصى في كف النبي صلى الله عليه وسلم، وحنّ الجذع لفراقه في مسجده الشريف (صحيح البخاري برقم 3584)، فتأويله على مجرد لسان الحال ودلالة الصنعة إبطال للمعجزة وسلب لخصوصية التسخير لداود؛ فالله تعالى ينطق ما يشاء كيف يشاء سبحانه: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}.
إسناد الفعل إلى نون النسوة {يُسَبِّحْنَ}: تنزيل لغير العاقل منزلة العقلاء لما صدر عنها التسبيح الحقيقي الخاشع، وتصوير للمشهد كأنه جوقة ملائكية تتجاوب في رحاب الجبال.
الطباق الزماني بين {بِالْعَشِيِّ} و{الْإِشْرَاقِ}: لاستيعاب طرفي النهار، وإشعار بأن حياة داود كانت مستغرقة بالتسبيح والعبادة في الإقبال والإدبار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج الفقهي والتربوي: المحافظة على صلاة الضحى والصلوات في أوقات العشي، وترطيب اللسان بأذكار الصباح والمساء تأسياً بالأنبياء والكون المسبح.
الوجدان الإيماني: استشعار وحدة الكون المسبح لله؛ فالمؤمن حين يسبح لا يكون منفرداً، بل ينسجم مع نبض الجبال والسموات والأرض في تمجيد الخالق الواحد.