تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 29)جامع البيانالطبري٢٠/٢٩: قال: أي وقوينا ملك داود وثبتناه بالهيبة والجند والجيوش والظفر على الأعداء وحراسة الآلاف من الفرسان له، وآتيناه الحكمة؛ وهي النبوة والفقه في الدين والعدل وإصابة الحق، وفصل الخطاب؛ وهو الفصل في القضاء بين الخصوم ببيان الحق من الباطل، ونقل عن شريح والشعبي وقتادة أن فصل الخطاب هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وقيل: هو قول «أما بعد» في ابتداء الكلام والرسائل.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 58)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٥٨: أوضح أن الله جمع لداود بين قوة السلطان المادي والتمكين العسكري، وبين كمال العلم والحكمة والنبوة، وفصل الخطاب وهو الإبانة والفصاحة والحكم العدل القاطع للخصومات بالبينات الصادقة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 164)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٦٤: ذكر أن "فصل الخطاب" يجمع الإيجاز البلاغي المحكم الذي يفصل بين الحق والباطل دون تطويل ممل ولا تقصير مخل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{وَشَدَدْنَا}: الشد: التقوية والتوثيق والتثبيت؛ من شددت الحبل إذا أحكمت ربطه، والمراد: جعلنا ملكه مرهوب الجانب منيعاً راسخاً.
{الْحِكْمَةَ}: وضع الشيء في موضعه اللائق به، وتشمل النبوة والشريعة والعلم الراسخ.
{فَصْلَ الْخِطَابِ}: الخطاب الفاصل الفارق بين الحق والباطل في القضاء والبيان، والكلام البليغ المبرأ من الحشو.
الإعراب التفصيلي:
{وَشَدَدْنَا}: الواو عاطفة، شدد: فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل.
{مُلْكَهُ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والهاء مضاف إليه.
{وَآتَيْنَاهُ}: الواو عاطفة، آتى: فعل ماض، و"نا" فاعل، والهاء مفعول به أول.
{الْحِكْمَةَ}: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{وَفَصْلَ}: معطوف منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهو مضاف.
{الْخِطَابِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: اكتمال أركان الملك النبوي الراشد لداود عليه السلام؛ فبعد أن بين صلاحه الباطن في العبادة وتسبيح الجبال والطير معه، بين هنا كماله الظاهر في إدارة شؤون الدولة والملك؛ قوة عسكرية تحمي الثغور {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ}، وحكمة ونبوة ترشد العقول {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ}، وقضاء عادل فصيح يفصل بين الخصوم {وَفَصْلَ الْخِطَابِ}، ليكون ذلك مدخلاً للقصة القضائية القادمة في تسور المحراب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الجمع بين التزهد في العبادة وبين حيازة القوة والملك العريض:
المحاكمة العقدية والسياسية الإسلامية: الإسلام لا يرى تعارضاً بين العبادة الخاشعة وبين إقامة الدولة القوية العادلة؛ فداود عليه السلام كان أعبد الناس وأكثرهم صياما وقياما، وكان في الوقت عينه قائداً عسكرياً مظفراً وحاكماً حكيماً ذا أيد وقوة، فالقوة والسلطان في شرع الله وسيلة لإقامة العدل وحماية التوحيد لا للتجبر والبغي.
التعبير بـ {شَدَدْنَا} المسند إلى نا العظمة: إشعار بأن ثبات ملكه لم يكن بحيلة بشرية بل بمدد ورعاية إلهية خاصة.
البراعة والإحاطة في {فَصْلَ الْخِطَابِ}: إضافة تفيد التمييز؛ فالخطاب النافع هو الخطاب الحاسم الذي ينهي النزاع بكلمات قليلة محكمة تجمع الحق وتبدد الباطل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج القيادي والدعوي: الجمع بين القوة والأمانة، والحكمة والعدل في القضاء والبيان؛ فالداعية والقائد يحتاج إلى فصاحة البيان وحكمة التصرف وقوة البناء.
الوجدان الإيماني: الشكر لله واهب الحكمة والملك، والالتجاء إليه دائماً في سؤال التوفيق وفصل الخطاب في مشكلات الحياة ومعضلات العلوم.