تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 24)جامع البيانالطبري٢٠/٢٤: قال: يأمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالصبر الجميل على أذى قريش واستهزائهم وسخريتهم، وأن يتعزى ويتثبت بذكر سيرة نبي الله داود عليه السلام؛ الذي وصفه الله بـ {ذَا الْأَيْدِ}؛ أي ذا القوة والشدة في طاعة الله والعبادة والجهاد في سبيله، {إِنَّهُ أَوَّابٌ}؛ رجّاع إلى الله وتائب ومنيب ومسبح في كل أموره.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 57)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٥٧: أوضح أن الأيد هو القوة في العلم والعمل والعبادة؛ وأورد حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في الصحيحين (البخاري برقم 1131، ومسلم برقم 1159) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى».
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 159)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٥٩: بين أن إضافة العبد إلى ضمير الجلالة {عَبْدَنَا} تشريف وتكريم باذخ لداود، والأيد القوة في البدن والعبادة والحكم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{الْأَيْدِ}: القوة والشدة والقدرة والمنعة في طاعة الله؛ من آد يئيد أيداً إذا قوي وتشتد.
{أَوَّابٌ}: صيغة مبالغة من آب يؤوب أوباً؛ وهو كثير الرجوع والتوبة والإنابة إلى الله في كل حركة وسكنة.
الإعراب التفصيلي:
{اصْبِرْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
{عَلَىٰ}: حرف جر.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل جر (أو مصدرية).
{يَقُولُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، وجملة الصلة لا محل لها، والعائد محذوف تقديره: يقولونه، والجار والمجرور متعلقان بـ {اصْبِرْ}.
{وَاذْكُرْ}: الواو عاطفة، اذكر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{دَاوُودَ}: بدل من عبدنا أو عطف بيان منصوب وعلامة نصبه الفتحة منع من الصرف للعلمية والعجمة.
{ذَا}: نعت لـ {دَاوُودَ} منصوب وعلامة نصبه الألف لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف.
{الْأَيْدِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{إِنَّهُ}: إن حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها.
{أَوَّابٌ}: خبر إنّ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والجملة تعليلية لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: انعطاف تربوي نبوي عظيم؛ بعد أن بلغ استهزاء المشركين ذروته في طلب العذاب سخرية، نهى الله نبيه عن الحزن وأمره بالصبر، وفتح له نافذة النور والتثبيت بذكر سيرة العبد الأواب داود عليه السلام؛ ليجمع بين الصبر على الأذى والهمة العالية في العبادة والإنابة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الضعف في الصبر والتأكيد على أن الصبر قرين القوة:
المحاكمة التربوية والنبوية: قرن الله الأمر بالصبر بذكر داود {ذَا الْأَيْدِ} (صاحب القوة) ليعلم الداعية أن الصبر ليس ضعفاً ولا استسلاماً عاجزاً، بل هو عين القوة الروحية والأيد الإيماني؛ فالصابر القوي الذي يملك نفسه عند الغضب هو المنتصر الحقيقي، كداود الذي جمع بين أيد الجهاد وقوة العبادة.
إضافة العبودية إلى ضمير العظمة {عَبْدَنَا}: أسمى أوسمة التشريف لداود عليه السلام قبل سرد تفاصيل ملكه وقضائه.
التوكيد بصيغة المبالغة {أَوَّابٌ} المقترنة بـ {إِنَّ}: لبيان أن سر قوته وبأسه لم يكن في دروعه وسلاحه بل في سرعة أوبته ورجوعه وانكساره بين يدي ربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج الدعوي: التزود بسير الأنبياء والصالحين في أوقات الشدائد والتكذيب؛ ففي قصصهم بلسم للجراح وزاد متجدد للصبر والجهاد.
الوجدان الإيماني: الاقتداء بداود عليه السلام في دوام الأوبة والتوبة والمحافظة على قيام الليل وصيام الهواجر، والجمع بين القوة في الحق والافتقار إلى الله.