تفسير الطبري (جامع البيان، ج 20، ص 48)جامع البيانالطبري٢٠/٤٨: قال: ينادي الله تعالى نبيه داود معلماً وموجهاً: إنا استخلفناك في الأرض وجعلناك حاكماً يدبر أمور عبادنا ويقيم فيهم شرعنا وعدلنا، فاحكم بين الناس بما أنزلنا عليك من الحق والعدل، واحذر اتباع الهوى والميل مع العاطفة أو القرابة فيضلك ذلك عن طريق الله، فإن الذين يميلون عن دين الله لهم عذاب أليم في جهنم بسبب غفلتهم ونسيانهم لمحاسبة يوم القيامة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 61)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٦١: أكد أن هذا الخطاب الإلهي موجه لداود ولجميع ولاة الأمور والحكام والقضاة إلى قيام الساعة؛ بأن الواجب هو الحكم بالحق المنزل المنزه، والتحذير الأكيد من اتباع الهوى الذي هو أصل كل ضلال وجور.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 181)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٨١: ذكر أن "الخليفة" هو الذي يخلف من كان قبله في إقامة أمر الله وإشاعة العدل في الأرض، والآية أصل عظيم في وجوب تحكيم الشريعة والنهي عن الحكم بالهوى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{خَلِيفَةً}: القائم بإقامة شرع الله وتدبير مصالح العباد نيابة وخلافة لمن سبقه من أنبياء الله.
{بِالْحَقِّ}: بالعدل والشرع والإنصاف المطابق للواقع وأمر الله.
{الْهَوَىٰ}: ميل النفس إلى ما تحبه من غير نظر إلى عاقبته ولا موافقته للشرع.
{فَيُضِلَّكَ}: الإضلال: الصرف والإمالة عن الجادة القويمة إلى المهالك.
الإعراب التفصيلي:
{يَا دَاوُودُ}: يا حرف نداء، داود منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب.
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، ونا اسمها.
{جَعَلْنَاكَ}: فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل، والكاف مفعول به أول، والجملة خبر إنّ.
{خَلِيفَةً}: مفعول به ثانٍ لجعل منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {خَلِيفَةً}.
{فَاحْكُم}: الفاء رابطة فصيحة، احكم أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{بَيْنَ النَّاسِ}: ظرف مكان مضاف إلى الناس متعلق بـ {احْكُم}.
{عَذَابٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع، والجملة الاسمية في محل رفع خبر إنّ.
{شَدِيدٌ}: نعت مرفوع.
{بِمَا}: الباء سببية، ما مصدرية (أو موصولة).
{نَسُوا}: فعل ماض والواو فاعل، والمصدر المؤول مجرور بالباء (أي بسبب نسيانهم).
{يَوْمَ}: مفعول به لنسوا منصوب، وهو مضاف.
{الْحِسَابِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: تتويج قصة داود بإرساء الدستور السياسي والقضائي الأكبر في تاريخ الإنسانية؛ فبعد النجاة والمغفرة والزلفى، ناداه الله باسمه مبيناً المهمة الكبرى التي خُلق ومُكّن لها وهي الخلافة بالحق، ومحذراً إياه من الخطر الأكبر الذي يهدد الحكام وهو اتباع الهوى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة إمكانية ضلال النبي المعصوم باتباع الهوى:
المحاكمة العقدية والأصولية: النهي في قوله: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} ليس إثباتاً لوقوع الضلال منه، بل هو حماية وعصمة وتثبيت لمقامه بالتحذير من أسباب الضلال؛ والخطاب للنبي خطاب لأمته وحكامه من بعده؛ ليعلم كل حاكم أن العصمة لا تكون إلا بالتمسك بالحق ونبذ الهوى.
التفريع بـ {فَاحْكُم} على {جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً}: لبيان أن وظيفة الخلافة في الأرض ليست التشريف والترف، بل هي مسؤولية تنفيذ العدل والقضاء بالحق بين العباد.
التعبير بـ {بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}: ربط عبقري بين العدل القضائي وبين استحضار اليوم الآخر؛ فالحاكم لا ينحرف إلى الجور إلا إذا غفل عن وقوفه بين يدي الديان يوم الحساب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج السياسي والحركي: التمسك بتحكيم الشريعة وإقامة العدل المطلق، ومحاربة الهوى والواسطة والمحسوبية في القضاء والمناصب العامة.
الوجدان الإيماني: دوام استحضار يوم الحساب والوقوف بين يدي الله؛ فإنه السياج المانع من الظلم والدافع إلى كمال الإحسان.