البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 304) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسفيان الثوري: "قوله: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ} أي لا تعبد غيره ولا تشرك به شيئاً، {لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ} لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} قال مجاهد وسفيان: إلا ما أريد به وجهه من الأعمال الصالحة، وقال ابن عباس وقتادة والجمهور: إلا ذاته المقدسة ووجوده العلي الدائم الباقي الذي لا يموت، فالوجه يعبر به عن الذات الإلهية الجامعة لصفات الكمال".
ويقرر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 260): "يخبر تعالى أنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. وعبر بالوجه عن الذات المقدسة، وهو الحي القيوم الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، {لَهُ الْحُكْمُ} أي الملك والتصرف والقضاء النافذ الذي لا راد له، {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يوم القيامة فيجزي كل عامل بعمله".
ويؤكد القرطبي (ج 13، ص 329)مصدر غير محدد١٣/٣٢٩ أن سورة القصص التي ابتدأت بوعد المستضعفين وإهلاك فرعون وجنوده، ختمت بأعظم حقيقة كونية كلية، وهي فناء كل ما سوى الله وبقاء وجهه الكريم له الحكم وإليه الرجوع.
مَعَ اللَّهِ: ظرف مكان متعلق بالفعل تدع، و"الله" مضاف إليه.
إِلَٰهًا آخَرَ: مفعول به لتدع منصوب، و"آخر" نعت منصوب بالفتحة ومنع من الصرف للوصفية والعدل.
لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ: لا نافية للجنس، إله اسمها مبني، وخبرها محذوف تقديره حق، وإلا أداة حصر واستثناء، وهو بدل من موضع لا واسمها، والجملة توكيد تقريري.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
خاتمة مسك السورة وذروة سنام مقاصدها؛ فقد أطبقت السورة أطرافها على أبهى ما يكون النظم القرآني:
بدأت السورة بإظهار بطلان ألوهية فرعون المدعاة وجبروته، وختمت بنفي الألوهية عن كل من سوى الله: {لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}.
عرضت السورة زوال إمبراطورية فرعون بالماء، وزوال كنوز قارون بالخسف في التراب، وختمت بأن كل شيء في هذا الوجود زائل وفانٍ وهالك حتماً: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}.
قررت في الآية (70): {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، وأعادت هذا الختام بعينه هنا في الآية (88) لترسيخ أن مرجع الأمر كله إلى حكم الله ورجوع الخلائق إليه.
التناسب التركيبي الداخلي:
تدرج مهيب من النهي الحاسم عن الشرك، إلى كلمة التوحيد الخالصة، إلى إعلان الفناء الكوني العام لكل المخلوقات والجبابرة والكيانات، إلى حصر البقاء المطلق للوجه الإلهي الأكرم، إلى انفراد الحكم والسلطان المطلق له وحده، إلى تقرير مصير كل كائن بالرجوع إليه للحساب والجزاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات صفة الوجه لله تعالى وتفنيد التأويلات الباطلة:
مذهب سلف الأمة وأئمة السنة إثبات صفة "الوجه" لله تعالى كما جاءت في القرآن والسنة على الوجه اللائق بجلاله وعظمته؛ فهو وجه كريم ذو جلال وإكرام، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؛ لا يمثل بوجه المخلوقين، ولا يعطل ولا يحرف لفظه. والتعبير بالوجه عن الذات مشهور في لغة العرب، وكلا المعنيين حق: فالذات الإلهية هي الباقية التي لا تفنى، والأعمال الصالحة التي ابتغي بها وجه الله هي التي تبقى لصاحبها ولا تحبط ولا تهلك.
صيغة اسم الفاعل في {هَالِكٌ}: لم يقل "سيهلك" بل عبر باسم الفاعل لبيان حتمية وثبوت الهلاك والفناء؛ فالمخلوق في حقيقته كأنه هالك وفانٍ في الحال لاتصافه بالعدم السابق واللاحق وفقره الذاتي، والله وحده هو الحي الذي لا يموت.
القصر والحصر المتكرر: بـ "إلا" في {لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ} و{إِلَّا وَجْهَهُ}، وبتقديم الجار والمجرور في {لَهُ الْحُكْمُ} و{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}؛ وهي قمة الإحكام البلاغي الذي يفرغ الكون من كل سلطان إلا سلطان الواحد القهار.
الظلال التدبرية والإشارية:
حين يعاين العبد هذه الآية تصغر في عينيه كل قوى الأرض وزخارفها؛ ملوكها، وجبابرتها، وقصورها، وجيوشها، وأموالها؛ كلها غبار تذروه رياح الفناء، ولا يبقى إلا الله ووجهه الكريم وما ابتغي به رضوانه؛ فما أعظم الخسارة إن علق العبد قلبه بهالك، وترك الحي القيوم الباقي!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
ربط الدعوة دائماً بالحقائق الكونية الكبرى؛ فالمعركة بين الإيمان والكفر ليست صراعاً مؤقتاً، بل هي ابتلاء في دار فانية زائلة مآل كل شيء فيها إلى الهلاك، والحكم الأخير والعدل المطلق عند ملك الملوك يوم القيامة.
الآثار التربوية والوجدانية:
إخلاص النية لله وتجريد العمل لوجهه الكريم؛ فكل عمل لا يبتغى به وجه الله هالك باطل لا وزن له.
زهد القلب في الدنيا واستحضار سرعة زوالها، والاستعداد للمرجع والمآب الأعظم للقاء الله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.