أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/551)جامع البيانالطبري١٩/٥٥١ بسنده عن ابن عباس وسعيد بن جبير: "أصبح موسى بعد قتله القبطي خائفاً يترقب؛ ينتظر الطلب وأن يعلم آل فرعون به فيأخذوه، فبينما هو يمشي في المدينة من الغد، إذ رأى ذلك الإسرائيلي نفسه الذي استنصره بالأمس يقاتل قبطياً آخر من آل فرعون، فاستصرخ الإسرائيلي بموسى وصاح به طالباً غياثه؛ فنظر إليه موسى بغضب وقال له زاجراً: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ}؛ أي إنك لصاحب غواية وشر ظاهر، تثير الفتن والخصومات في كل يوم!".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/225)مصدر غير محدد٦/٢٢٥: لم يكن الإسرائيلي حكيماً ولا منصفاً، بل كان متهوراً يفتعل النزاعات مع الأقباط متكلاً على قوة موسى وقرابته منه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{يَتَرَقَّبُ}: الترقب هو انتظار الأمر المخوف بحذر وتلفت؛ يترقب أن يفشو الخبر أو يداهمه الجند.
{اسْتَنصَرَهُ}: طلب نصرته بالأمس في قتال القبطي الأول.
{يَسْتَصْرِخُهُ}: الصراخ هو الصياح الشديد لطلب النجدة والغياث من كرب نزل به.
{لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ}: الغوي هو المتبع للهوى الواقع في الضلال المثير للمشاكل؛ ومبين ظاهر الغواية والجهل.
الإعراب:
{فَأَصْبَحَ}: الفاء عاطفة، أصبح فعل ماض ناقص واسمه مستتر هو.
{لَغَوِيٌّ}: اللام المزحلقة للتوكيد، غوي خبر إن مرفوع بالضمة.
{مُّبِينٌ}: نعت لغوي مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
واقعية التصوير القرآني وتوالي الأزمات:
المشهد مشحون بالتوتر والترقب؛ موسى يعيش حالة حذر شديد يخشى اكتشاف أمره، وفي هذه اللحظة الحرجة تحديداً تفاجئه الصدفة بنفس الرجل يثير شجاراً جديداً ويصرخ طلباً لنجدته؛ مما يكشف عن طبيعة هذا الرجل المتهور وعن عظمة إنصاف موسى الذي لم تأخذه الحمية القومية العمياء لقريبه، بل وبخه وأعلن غوايته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان العصبية القومية العمياء:
محاكمة أخلاقية وتشريعية:
قول موسى للإسرائيلي {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} يمثل مقتضى العدل المطلق؛ فموسى وإن كان من بني إسرائيل وكان يرحم استضعافهم، فإنه يرفض البغي والتهور والظلم ولو صدر من أبناء جلدته؛ فالإسلام والشرائع الإلهية تبطل دعاوى الجاهلية والعصبية العمياء القائلة: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" بمفهومها الجاهلي، وتقرر أن الحق والعدل فوق كل قرابة وقومية.