أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/558)جامع البيانالطبري١٩/٥٥٨ بسنده عن سعيد بن جبير وابن عباس: "خرج موسى متوجهاً نحو مدين -وهي قرية شعيب عليه السلام في جنوب الأردن وشمال الحجاز خارج سلطان مصر- ولم يكن له علم بالطريق ولا خريطة يسير عليها، فقال حين توجه إليها متوكلاً: {عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ}؛ فبعث الله له ملكاً أو دله بفطرته حتى سلك الطريق الأقصد والأعدل".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/227)مصدر غير محدد٦/٢٢٧: {سَوَاءَ السَّبِيلِ} أي قصد السبيل والطريق المستقيم المنجي، فعسى من الله واجبة؛ فهداه الله إلى سواء السبيل في الدنيا بالأمان، وفي الدين بالنبوة والشريعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{تَوَجَّهَ}: ولّى وجهه وقصد بوجهه وحركته تلك الجهة.
{تِلْقَاءَ}: جهة وقِبالة؛ وهو مصدر استعمل ظرف مكان.
{مَدْيَنَ}: اسم بلاد وأمة تنسب إلى مدين بن إبراهيم عليه السلام، وهي خارجة عن نفوذ ملوك مصر.
{عَسَىٰ}: حرف ترجٍ وتوقع للخير وفضل الله.
{سَوَاءَ السَّبِيلِ}: وسط الطريق وأعدله وأقربه؛ وضد السواء المعوج التائه.
الإعراب:
{وَلَمَّا}: الواو عاطفة، لما رابطة شرطية.
{تَوَجَّهَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو.
{تِلْقَاءَ}: ظرف مكان منصوب بالفتحة متعلق بتوجه، وهو مضاف إلى {مَدْيَنَ} المجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث أو العجمة.
{قَالَ}: جواب لما لا محل لها.
{عَسَىٰ}: فعل ماض جامد للترجي.
{رَبِّي}: اسم عسى مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل الياء، والياء مضاف إليه.
{سَوَاءَ}: مفعول به ثان ليهديني منصوب بالفتحة، وهو مضاف إلى {السَّبِيلِ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال الجغرافي وبدء مرحلة جديدة:
خطوة جديدة في رحلة القدر؛ انتهت مرحلة مصر وحكم فرعون، وبدأت مرحلة التوجه إلى مدين؛ فبعد أن استجار بربه من الظالمين، استهدى ربه في معالم الطريق الجغرافي والروحي؛ فالمؤمن دائم الاستهداء بربه في حركته وسكونه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمول الهداية للمسلك الحسي والمعنوي:
محاكمة لغوية وتفسيرية:
{سَوَاءَ السَّبِيلِ} يتناول أمرين متلازمين:
السبيل الحسي: الطريق الجغرافي الصحيح الذي ينجيه من التيه والهلاك في صحراء سيناء ومن مطاردة جند فرعون.
السبيل المعنوي: صراط التوحيد والحكمة والعبودية التي تقوده إلى النبوة والرضوان؛ والله تعالى أجاب رجاءه فمنحه هداية الطريق حتى وصل ماء مدين، ومنحه هداية النبوة حتى اصطفاه كليماً له.