أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/576)جامع البيانالطبري١٩/٥٧٦ بسنده عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: "لما أتى موسى النار وجدها في شجرة عوسج خضراء تضطرم ناراً، وكلما ازدادت النار اشتعالاً ازدادت الشجرة خضرة ونضارة، فوقف متعجباً مبهوتاً؛ فنودي حينئذ بصوت سمعه بجميع جوارحه: {مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ} أي من جانب الوادي عن يمين موسى، {فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ}: التي بارك الله فيها بتكليمه لنبيه ومناجاته وإرساله، {مِنَ الشَّجَرَةِ} ناداه الله تعالى بذاته العلية: {أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/232)مصدر غير محدد٦/٢٣٢: أجمع سلف الأمة وأئمة أهل السنة على أن الله تعالى كلّم موسى تكليماً حقيقياً بحرف وصوت سمعه موسى دون واسطة، كما قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا}؛ فالصوت كلام الله الذاتي لا كلام الشجرة ولا مخلوقاً في الهواء؛ والشجرة كانت ظرفاً للبقعة ومكاناً للنداء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{شَاطِئِ}: جانب الوادي وحافته وضفته.
{الْأَيْمَنِ}: يمين موسى حين توجه إلى الجبل، أو الأيمن من اليُمن والبركة.
{الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ}: القطعة من الأرض التي خصها الله بالتشريف والقداسة والفيوضات الإلهية.
{الشَّجَرَةِ}: شجرة العوسج أو العُليق التي كان النور يتلألأ فيها.
{رَبُّ الْعَالَمِينَ}: خالق ومدبر ومالك جميع الخلائق في السماوات والأرض.
الإعراب:
{فَلَمَّا}: رابطة شرطية. {أَتَاهَا}: فعل وفاعل ومفعول به.
{نُودِيَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، ونائب الفاعل ضمير مستتر أو الجملة المفسرة بعده.
{مِن شَاطِئِ}: متعلقان بنودي، وشاطئ مضاف إلى {الْوَادِ} المجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف.
{الْأَيْمَنِ}: نعت لشاطئ مجرور بالكسرة.
{فِي الْبُقْعَةِ}: متعلقان بنودي أو بمحذوف حال، والبقعة مضاف إليها نعتها {الْمُبَارَكَةِ}.
{مِنَ الشَّجَرَةِ}: بدل اشتمال من شاطئ الوادي أو متعلقان بنودي.
{أَنْ}: مفسرة للنداء لا محل لها، أو مخففة من الثقيلة.
{يَا مُوسَىٰ}: منادى مبني على الضم المقدر في محل نصب.
{إِنِّي}: إن واسمها (الياء).
{أَنَا}: ضمير فصل وتوكيد، أو مبتدأ ثان.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{رَبُّ}: نعت لاسم الجلالة أو خبر ثان، وهو مضاف إلى {الْعَالَمِينَ} المجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج الطوبوغرافي الدقيق لمهبط الوحي:
دقة متناهية في تحديد موقع الحدث الأعظم؛ تدرج من العام إلى الخاص:
الجبل: جانب الطور.
الوادي: شاطئ الوادي الأيمن.
البقعة: البقعة المباركة.
النقطة المحددة: من الشجرة؛
لتحديد المشهد التاريخي الحقيقي وتأكيد واقعيته العيانية التي لا تحتمل خيالاً ولا مجازاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات صفة التكليم لله والرد على الجهمية والمعتزلة:
محاكمة عقدية صارمة:
زعم المعتزلة والجهمية أن الكلام خلقه الله في الشجرة؛ فكانت الشجرة هي المتكلمة!
وهذا قول باطل كفري يرده صريح العقل والنقل؛ فلو كان الكلام مخلوقاً في الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، ويستحيل لمخلوق أن يدعي الألوهية والربوبية! فالمتكلم هو الله جل جلاله بذاته، وموسى سمعه بأذنه حقيقة؛ وهذا مذهب السلف الصالح: أن الله متكلم متى شاء كيف شاء بكلام مسموع لا يشبه كلام المخلوقين.
توكيد ثلاثي بـ{إنّ} والضمير المتصل وضمير الفصل المنفصل {أَنَا}؛ لإزالة أي دهشة أو اضطراب في نفس موسى، وإشعاره بالهيبة والجلال؛ فالذي يخاطبه ليس ملكاً ولا بشراً، بل هو الله ذو الجلال والإكرام رب العالمين.
إفراد موسى بالنداء {يَا مُوسَىٰ}:
نداء بالاسم المحبب لتقريبه وتطمين فؤاده وإيناسه قبل تحميله الرسالة الكبرى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم حرمات الله وبقاع العبادة:
تقديس البقاع التي تجلت فيها أنوار الوحي؛ واستشعار عظمة الله عند تلاوة آيات التكليم.
ترسيخ عقيدة الربوبية والألوهية:
أول ما تلقاه موسى هو الإقرار بربوبية الله المحيطة العامة لكل العوالم؛ وهي الركيزة التي ينطلق منها كل مصلح لمواجهة فراعنة الأرض؛ فمن عرف أن ربه رب العالمين صغر في عينه كل طاغية مستكبر.