قال الطبري في "جامع البيان" (19/596)جامع البيانالطبري١٩/٥٩٦: "يقول تعالى ذكره: وألزمنا فرعون وقومه في هذه الدنيا لعنة؛ وهي الخزي والذل والطرد من رحمة الله، فلا يذكرهم مؤمن إلا لعنهم وتبرأ من صنيعهم، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ}: أي من المبعدين المطرودين المشوهين بالسواد في وجوههم وزرقة عيونهم، المقبوحين في النار".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/237)مصدر غير محدد٦/٢٣٧: شرع الله لعنهم والبراءة منهم على ألسنة أنبيائه والمؤمنين في الدنيا، وجعلهم في الآخرة في أسفل سافلين مشوهي الخلقة والأثر مهانين محقورين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{وَأَتْبَعْنَاهُمْ}: ألحقنا بهم اللعنة ولزمتهم كالأثر الذي يتبع صاحبه فلا يفارقه.
{لَعْنَةً}: طرداً وإبعاداً من كل رحمة وخير، ومذمة وسخطاً مستمراً.
{الْمَقْبُوحِينَ}: المقبوح هو المطرود المبعد، والمشوه القبيح المنظر والمصير الذي يكره النظر إليه لهوانه وقبحه.
الإعراب:
{وَأَتْبَعْنَاهُمْ}: الواو عاطفة، أتبعنا فعل وفاعل، وهم مفعول به أول.
{فِي هَٰذِهِ}: جار ومجرور متعلقان بأتبعنا، وهذه مضاف إليها {الدُّنْيَا} بدل مجرور بكسرة مقدرة.
{لَعْنَةً}: مفعول به ثان لأتبعنا منصوب بالفتحة.
{وَيَوْمَ}: الواو عاطفة، يوم ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر أو بالاسم المفعول بعده، وهو مضاف إلى {الْقِيَامَةِ}.
{هُم}: ضمير منفصل مبتدأ.
{مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ}: جار ومجرور في محل رفع خبر المبتدأ، وعلامة الجر الياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تلاحق العقوبة في الدارين:
تناسق تام في بيان تمام الجزاء؛ بدأ بعقوبة الإغراق الحسي في اليم، ثم عقوبة الإمامة في الضلال، ثم عقوبة اللعنة المعنوية والذكر السيئ الملازم لهم في دار الدنيا، ثم عقوبة القبح والتشويه والخزي في الدار الآخرة؛ فلم يترك لهم القرآن جانباً من جوانب الكرامة إلا أهانه وحطمه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فرعون بنى الأهرامات والصروح وخلد اسمه في النقوش ظناً منه أنه سينال الخلود والمجد التاريخي؛ فجاء الحكم الإلهي الصارم: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً}؛ فصار اسم فرعون على مدار آلاف السنين وإلى يوم القيامة علماً على أبشع صور الطغيان والظلم والبغي؛ لا يذكره أحد إلا بلعنة وازدراء؛ فباء بالخزي التاريخي بدلاً من المجد الموهوم.
تشبيه اللعنة بظل يتبعهم حيثما حلوا وارتحلوا؛ فلا تنفك عنهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين في كل عصر ومصر.
دلالة لفظ {الْمَقْبُوحِينَ}:
القبح نقيض الحسن والجمال؛ والقبح هنا قبح حسي بتشويه وجوههم بالسواد والزرقة والنتن، وقبح معنوي بالذل والإهانة والاحتقار من جميع أهل الموقف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عاقبة الظلم سوء السمعة ولعنة الأجيال:
على أهل الجاه والسلطان أن يدركوا أن البطش والاستبداد يورثان لصاحبهما اللعنة والمذمة في الدنيا قبل الآخرة؛ بينما يورث العدل والإصلاح الذكر الحسن والترحم الدائم.
الاستعاذة من القبح والخزي الأخروي:
المؤمن يسأل الله دائماً الستر وحسن العاقبة والنجاة من مواقف الخزي والفضيحة يوم القيامة.