أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/570)جامع البيانالطبري١٩/٥٧٠ بسنده عن سعيد بن جبير وابن عباس: "لما رأى الشيخ الصالح مروءة موسى وقوته وأمانته، ورأى رغبة ابنته وحسن فراستها، عرض عليه الزواج بإحدى ابنتيه (واسم الصغرى صفورة وهي التي استأجرته)، وجعل مهرها أن يرعى له غنمه ثماني سنين حتمية، فإن تبرع بعشر سنين ففضل وإحسان منه، وقال له مكرماً: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} في حسن المعاملة والوفاء بالعهد ولين الجانب".
وأخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب الإجارة، باب الإجارة إلى نصف النهار، برقم 2262)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٦٢ من حديث سعيد بن جبير قال: "سألت ابن عباس: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: قضى أكثرهما وأطيبهما؛ إن رسول الله إذا قال فعل، وإذا وعد وفى".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{أُنكِحَكَ}: أزوجك بعقد شرعي ومهر معلوم.
{تَأْجُرَنِي}: تكون لي أجيراً ترعى غنمي وتقوم على خدمتها.
{ثَمَانِيَ حِجَجٍ}: ثماني سنوات؛ والحجة هي السنة، وسميت السنة حجة لأن الحج يتكرر فيها مرة واحدة.
{فَمِنْ عِندِكَ}: تفضل وإحسان وتبرع منك لا إلزام عليك فيه.
{أَشُقَّ عَلَيْكَ}: المشقة هي التكليف بما فيه حرج وعنت وتعب مفرط.
{إِن شَاءَ اللَّهُ}: جملة شرطية اعتراضية لا محل لها وجوابها محذوف.
{مِنَ الصَّالِحِينَ}: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان لتجد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم ومكارم التعامل الإنساني:
مشهد عقدي واجتماعي رفيع؛ الشيخ الصالح يعرض الزواج برفق ومحبة، ويحدد الأجل بوضوح ويفتح باب الإحسان التطوعي دون إكراه، ثم يعقّب بتعهده بعدم إرهاقه بحسن المعاملة مقروناً بمشيئة الله؛ ليعلم الناس كيف تدار العقود الإنسانية الشريفة بروح التيسير والبر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عرض الولي موليته على الرجل الصالح:
محاكمة فقهية واجتماعية:
استنبط أئمة الفقه (كالبخاري في صحيحه: "باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير") مشروعية واستحباب قيام الأب أو الولي بعرض ابنته على الرجل الصالح الكفء؛ كما فعل هذا الشيخ مع موسى، وكما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين عرض حفصة على عثمان ثم على أبي بكر حتى تزوجها النبي ﷺ؛ وهذا ينفي العرف الجاهلي الفاسد الذي يعدّ ذلك عيباً أو إنقاصاً من قدر المرأة؛ فالحرص على مصاهرة الصالحين من أعظم أبواب الحفظ للأسرة.