البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 282)مصدر غير محدد١٨/٢٨٢ عن ابن عباس وابن جريح وقتادة أن قارون كان ابن عم موسى عليه السلام (قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث). وكان ذا مال عريض وثروة طاغية، فبغى على بني إسرائيل بالكبر، والتسلط، وممالأة فرعون عليهم.
وقوله: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}: المفاتح جمع مفتح وهي المفاتيح التي تفتح بها الخزائن، وقيل أوعية الكنوز ودواوينها. و"تنوء" أي تثقل وتثني حامليها من ثقلها. والعصبة: الجماعة من الرجال الأقوياء (ما بين العشرة إلى الأربعين رجلاً وقيل أكثر).
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 252)مصدر غير محدد٦/٢٥٢: "يخبر تعالى عن قارون وعتوه وظلمه وطغيانه بما أنعم الله عليه من الأموال التي أثقلت مفاتيحها العصبة من الرجال الأشداء، فنصحه صلحاء قومه: {لَا تَفْرَحْ} أي لا تبطر ولا تفخر بالمال فخراً يحملك على الطغيان والكبر، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} أي البطرين الأشرين الذين تشغلهم النعمة عن المنعم".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 321)مصدر غير محدد١٣/٣٢١ أن بغيه كان بالاستكبار والخيلاء والتطاول بالثياب والأتباع وموالاة أعداء الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
فَبَغَىٰ: البغي هو مجاوزة الحد في الظلم والتعالي والاعتداء على حقوق الآخرين.
الْكُنُوزِ: جمع كنز، وهو المال المدخر الكثير المجموعة أطرافه.
مَفَاتِحَهُ: جمع مفتح (بكسر الميم أو فتحها)، إما المفاتيح التي تفتح بها الأقفال، أو الخزائن نفسها.
لَتَنُوءُ: من ناء ينوء نوءاً إذا نهض بثقل وجهد شديد، أو أمال حمله صاحبه لثقله.
الْعُصْبَةِ: الجماعة المتعصبة المتعاضدة من الرجال الأقوياء، وأصلها من العصب وهو الشد.
الْفَرِحِينَ: الفرح المذموم هنا هو البطر والزهو والاشمئزاز من الحق والتعالي على الناس، لا مجرد السرور الطبيعي بالنعم.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
إِنَّ قَارُونَ: "إن" حرف توكيد ونصب، "قارون" اسمها منصوب ومنع من الصرف للعلمية والعجمة أو الألف والنون الزائدتين.
كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ: جملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر إن.
وَآتَيْنَاهُ: الواو عاطفة، "آتيناه" ماضٍ مبني على السكون، ونا فاعل، والهاء مفعول به أول.
مِنَ الْكُنُوزِ: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال.
مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ: "ما" اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ لآتيناه، "إن" كسرت همزتها لوقوعها في صدر صلة الموصول، "مفاتحه" اسم إن والهاء مضاف إليه، واللام المزحلقة للتوكيد، وجملة "تنوء" في محل رفع خبر إن، وجملة إن واسمها وخبرها صلة الموصول.
بِالْعُصْبَةِ: الباء للتعدية أو المصاحبة، والجار والمجرور متعلقان بـ "تنوء".
أُولِي الْقُوَّةِ: نعت للعصبة مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف، و"القوة" مضاف إليه.
إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ: "إذ" ظرف زمان لما مضى متعلق بـ "بغى" أو بـ "اذكر" مقدرة، وجملة قال مضاف إليها.
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ: تعليل للنهي، إن واسمها وخبرها (جملة لا يحب الفرحين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
بعد أن عرضت السورة طغيان فرعون بالسلطان والملك والحكم السياسي الباطل، تعرض هنا النموذج المقابل: طغيان الثروة والمال والرأسمالية الاحتكارية المتكبرة ممثلة في قارون؛ لتكتمل أركان الصراع بين الحق والباطل؛ فطغيان السلطة (فرعون) وطغيان المادة والغرور التكنوقراطي والمالي (قارون) كلاهما يلقى نفس المصير الحتمي بالهلاك.
التناسب التركيبي الداخلي:
تأكيد نسب قارون {مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} إشارة مؤلمة إلى أن الانحراف والبغي قد ينشأ من داخل الأمة المستضعفة ذاتها، وأن النسب وحده لا يعصم صاحبه من السقوط إن أبطره المال وطغى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع إشكال النهي عن الفرح ونفي محبة الله للفرحين:
قد يشكل: هل الفرح محرم في الإسلام حتى يقول صلحاء قومه: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}؟
الجواب: الفرح نوعان:
فرح مذموم: وهو فرح الكبر والبطر والأشر والغرور بالدنيا ونسيان المنعم والتعالي على عباد الله، وهو المراد هنا وفي قوله: {ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ}.
فرح محمود: وهو الفرح بفضل الله وهداه ورحمته وتوفيقه لطاعته؛ كما قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}. فنفي المحبة هنا متوجه إلى البطرين المغرورين.
التأكيد بـ {إِنَّ} واللام المزحلقة: في {إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ} لتجسيد ثقل المفاتيح وكثرة الخزائن تجسيداً حسياً مبهراً للسامع.
التعبير بـ {تَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ}: تصوير حركي بليغ يري القارئ رجوع العصبة ذات القوة الشديدة ورجفان أقدامهم من ثقل أكياس المفاتيح وحدها، فكيف بالكنوز ذاتها!
المقابلة بين العطاء الرباني {آتَيْنَاهُ} وبين الجحود البشري {فَبَغَىٰ}: لبيان قبح كفران النعمة ومقابلة الإحسان بالعدوان.
الظلال التدبرية والإشارية:
المال سلاح ذو حدين؛ إذا تجرد من التقوى تحول إلى وباء يورث صاحبه البغي، وحين يرى الإنسان النعمة معزولة عن المنعم، يولد في قلبه قارون صغير يتبجح بجهده وذكائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناصحة الأثرياء والوجهاء بالحكمة والموعظة الحسنة، كما فعل مؤمنو بني إسرائيل مع قارون دون أن يرهبهم غناه أو بطشه.
الآثار التربوية والوجدانية:
تطهير القلب من البطر والخيلاء والتفاخر بالأموال والمقتنيات الفانية.
الحذر من داء البغي الداخلي؛ فالعدو قد يخرج من بين صفوف الأمة إذا تلوثت النفوس بالمادية الدنيوية.