أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/585)جامع البيانالطبري١٩/٥٨٥ بسنده عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: "طلب موسى من ربه أن يشد أزره بأخيه هارون بن عمران؛ وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، وكان طلق اللسان، حسن العبارة، فصيح المنطق؛ بينما كان في لسان موسى رتّة وعقدة نشأت عن جمرة النار في صغره، فقال: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا}: أي معيناً ومساعداً ومظاهراً، {يُصَدِّقُنِي}: يبين حجة كلامي ويوضح مقاصدي لفرعون، {إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ}".
{أَفْصَحُ}: الفصاحة خلوص الكلام من التعقيد ووضوح الدلالة وإبانة المعنى بأحسن لفظ وأعذبه.
{لِسَانًا}: تمييز مبين لوجه الفصاحة في النطق والبيان.
{رِدْءًا}: الرّدء في لغة العرب هو المعين والناصر والسند الذي يشد ظهر صاحبه ويتقوى به.
{يُصَدِّقُنِي}: يعضد قولي ويثبت صدقي ويبين براهيني أمام الطغاة.
الإعراب:
{وَأَخِي}: الواو عاطفة أو استئنافية، أخ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{هَارُونُ}: بدل من أخي أو عطف بيان مرفوع بالضمة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
{هُوَ}: ضمير فصل، أو مبتدأ ثان.
{أَفْصَحُ}: خبر أخي مرفوع بالضمة (أو خبر هو والجملة خبر أخي).
{مِنِّي}: متعلقان بأفصح.
{لِسَانًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة.
{فَأَرْسِلْهُ}: الفاء فصيحة سببية، أرسل فعل دعاء مبني على السكون والفاعل أنت والهاء مفعول به.
{مَعِيَ}: ظرف مكان متعلق بأرسل، والياء مضاف إليه.
{رِدْءًا}: حال منصوبة من الهاء في أرسله، أو مفعول لأجله.
{يُصَدِّقُنِي}: مضارع مرفوع، وفاعله مستتر هو، والنون للوقاية والياء مفعول به، والجملة نعت لرِدءاً (أو مجزوم في جواب الطلب).
{إِنِّي}: إن واسمها.
{أَخَافُ}: مضارع وفاعله أنا، والجملة خبر إن.
{أَن يُكَذِّبُونِ}: المصدر المؤول مفعول به لأخاف، والنون للوقاية والياء المحذوفة مفعول به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تجرد القيادة والاعتراف بفضل الأكفاء:
قمة التجرد الإيماني ونكران الذات؛ موسى كليم الله ومصطفاه بالرسالة ومعجزات العصا واليد، لا يستنكف أن يعترف صراحة بتفوق أخيه في الفصاحة والبيان {هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا}، فيطلب من الله إشراكه في النبوة والرسالة؛ ليكون عوناً له في تبليغ الحق؛ مما يمثل أسمى نماذج الإخلاص وسلامة الصدر في قيادة الدعوة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أعظم شفاعة وأخوة في تاريخ البشرية:
محاكمة أثرية وتربوية:
قال بعض السلف كابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما: "ليس في الأرض أحد أعظم منّة على أخيه من منّة موسى على هارون؛ شفع له عند ربه حتى جعله نبياً رسولاً"؛ فالأخوة الحقيقية ليست مجرد نسب طيني، بل هي تعاضد في حمل رسالات الله والشفاعة بالخير والترقية في المقامات الإيمانية.