روى البخاري في "صحيحه" (كتاب العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله، برقم 97)مصدر غير محددحديث رقم ٩٧ ومسلم (برقم 154)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٤ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه فله أجران، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران".
وأخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/612)جامع البيانالطبري١٩/٦١٢ بسنده في قوله: {بِمَا صَبَرُوا}: "أي بصبرهم على التمسك بكتابهم الأول، ثم صبرهم على اتباع محمد ﷺ وتحمل أذى قومهم ولومهم حين أسلموا".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكامل صفات الشخصية الإيمانية النموذجية:
لما أثنى الله على إيمانهم في الآيات السابقة، رتب على ذلك عظيم ثوابهم في هذه الآية {يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ}، وعلل ذلك بمنظومة أخلاقية متكاملة جمعت أربع فضائل كبرى:
الصبر على الشدائد وتكاليف الإيمان {بِمَا صَبَرُوا}.
البذل والإنفاق المالي في سبيل الله {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}.
الترفع عن اللغو والإعراض عن الجاهلين (في الآية التالية).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
علة مضاعفة الأجر لأهل الكتاب المؤمنين بمحمد ﷺ:
محاكمة أصولية تشريعية:
ضوعف لهم الأجر لجهادهم المزدوج: جاهدوا أنفسهم وقومهم بالتمسك بالتوحيد في كتبهم السابقة ضد التحريف، ثم جاهدوا أهواءهم وتجاوزوا عصبية الدين والقوم حين سمعوا بمحمد ﷺ فآمنوا به، وتحملوا مقاطعة أقوامهم وتكفيرهم لهم؛ فاستحقوا كمال التكريم بمضاعفة الأجر جزاء وفاقاً.
اسم إشارة للبعيد للدلالة على علو مكانتهم ورفعة منزلتهم في الفضل والكرامة عند الله.
التعبير بالفعل {يَدْرَءُونَ}:
الدرء دفع قوي بحكمة وإصرار؛ لبيان أنهم لا يكتفون بمجرد الصبر السلبي، بل يبادرون إلى إبطال الشر بالخير وإطفاء نار العداوة بالإحسان؛ وهي أرقى درجات النضج الأخلاقي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خلق مقابلة الإساءة بالإحسان:
خلق الأنبياء والصالحين؛ فالمؤمن لا يقابل السب بالسب ولا الأذى بالأذى، بل يدفع بالحسنة لترويض النفوس وكسر شوكة الباطل.
الصبر والإنفاق قرينتا الفلاح:
الصبر في الشدائد وبذل المال لإعانة المحتاجين ونصرة الدين من أعظم وسائل مضاعفة الأجور وتكفير السيئات.