أخرج الطبري في "جامع البيان" (19/578)جامع البيانالطبري١٩/٥٧٨ بسنده عن ابن عباس ومجاهد: أمره الله تعالى أن يلقي عصاه الخشبية التي كان يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فلما ألقاها على الأرض انقلبت في الحال ثعباناً عظيماً له عرف وأنياب، {تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} أي تتحرك بسرعة وخفة مذهلة كالحية الخفيفة السريعة مع ضخامتها وعظم جرمها، فلما رآها موسى خاف خوفاً شديداً وولى هارباً مدبراً {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي لم يلتفت إلى ورائه من شدة الرعب، فناداه ربه: {يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ}؛ فرجع موسى ووضع يده في فمها فرجعت عصا خشبية كما كانت في يده.
ونقل القرطبي في "تفسيره" (13/274)مصدر غير محدد١٣/٢٧٤: العصا جمعت بين أمرين متناقضين: ضخامة الثعبان، وسرعة حركة الجان؛ مما زاد في إعجازها وإرعاب من رآها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{أَلْقِ عَصَاكَ}: اطرحها من يدك على الأرض.
{تَهْتَزُّ}: تتحرك حركة سريعة مضطربة بحيوية ونشاط.
{جَانٌّ}: نوع من الحيات سريع الحركة خفيف الجسم شديد الاهتزاز.
{وَلَّىٰ مُدْبِرًا}: أدار ظهره هارباً مذعوراً.
{وَلَمْ يُعَقِّبْ}: التعقيب هو الرجوع والالتفات بعد الانصراف؛ أي لم يلتفت وراءه لفرط الفزع.
{مِنَ الْآمِنِينَ}: المحفوظين بحفظ الله ورعايته الذين لا يمسهم سوء ولا مكروه.
الإعراب:
{وَأَنْ}: عاطفة، أن مفسرة أو مصدرية.
{أَلْقِ}: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر أنت.
{عَصَاكَ}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف، والكاف مضاف إليه.
{فَلَمَّا}: عاطفة شرطية. {رَآهَا}: فعل ومفعول به والفاعل مستتر.
{تَهْتَزُّ}: مضارع والفاعل مستتر هي، والجملة في محل نصب حال من الهاء في رآها.
{كَأَنَّهَا}: كأن واسمها. {جَانٌّ}: خبر كأن مرفوع، والجملة حال ثانية أو نعت.
{وَلَّىٰ}: جواب لما فعل ماض مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدريب العملي والتأهيل الميداني للنبي:
هذا المشهد تدريب إلهي مبكر لموسى قبل أن يواجه سحرة فرعون؛ فأراه الله المعجزة في خلوة الوادي المقدس، وشهد تحول عصاه بنفسه وخاف وهرب ثم أُمر بالإقبال فرجع، حتى تألف نفسه هذه المعجزة الخارقة؛ فإذا واجه حبال السحرة وعصيهم في يوم الزينة كان رابط الجأش واثقاً بالنصر؛ تربية نبوية عملية فائقة الحكمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجمع بين وصف العصا بـ "الجان" و"الثعبان المبين":
محاكمة لغوية وبيانية:
في هذه الآية وصفها بـ {كَأَنَّهَا جَانٌّ}، وفي آيات أخرى وصفها بأنها {ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ}، والجان حية صغيرة سريعة والثعبان حية عظيمة ثقيلة؛ فكيف يجمع بينهما؟!
والجمع التحقيقي الإعجازي: أنها في خلقة وجرم الثعبان العظيم الضخم الهائل في مظهره وأنيابه، وفي سرعة وخفة حركة الجان؛ فجمعت بين هيبة الضخامة وسرعة الانقضاض، وهو غاية ما يخلع القلوب ويرعب المشاهدين.
إيجاز معجز يصور قمة الفزع البشري الطبيعي؛ فالهارب العادي قد يتلفت يمنة ويسرة ليرى هل يتبعه شيء، أما موسى فمن شدة هول ما رأى ولى ركضاً إلى الأمام دون أدنى التفاتة.
توكيد الأمان بـ {إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ}:
تأكيد بالجملة الاسمية وإنّ والجمع في {الْآمِنِينَ}؛ لإشعاره بأنه دخل في زمرة المحفوظين بحفظ الله المعصومين من كل أذى، فلا خوف عليه من ثعبان ولا من فرعون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدريب العملي قبل خوض المعارك:
على القادة والمربين تدريب الأفراد عملياً على مواجهة الأزمات والمواقف الصعبة قبل النزول إلى الميدان؛ فالإعداد العملي يثبت الأقدام ويزيل الرهبة.
الأمان المطلق في كنف الله:
من كان في معية الله كُفي كل مخاوف الأرض؛ فإذا ناداه ربه بالأمان زالت عنه كل أوهام الفزع والخوف.