البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 280)مصدر غير محدد١٨/٢٨٠ عن ابن عباس وقتادة أن المراد: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين يوم يناديهم ربهم في موقف الحساب والجزاء توبيخاً وتقريعاً، فيقول: أين شركائي الذين كنتم تدعون في الدنيا أنهم آلهة تشفع لكم وتنصركم من دوني؟ فليحضروا اليوم لينقذوكم أو يدفعوا عنكم العذاب!
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 251)مصدر غير محدد٦/٢٥١: "هذا نداء توبيخ وتقريع للمشركين على رؤوس الأشهاد، كقوله تعالى: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ}".
ويؤكد القرطبي (ج 13، ص 318)مصدر غير محدد١٣/٣١٨ أن إضافة الشركاء إلى الله في قوله: {شُرَكَائِيَ} هي إضافة إلزام وتبكيت على حسب زعمهم الباطل، لا إقرار بوجود شريك له سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
يُنَادِيهِمْ: النداء هو مد الصوت بالدعاء مع الجهر، وهنا يأتي في مشهد القيامة المهيب لافتضاح أمرهم أمام الخلائق أجمعين.
تَزْعُمُونَ: الزعم هو القول الذي لا دليل عليه ويغلب عليه الكذب والبطلان، ومنه المثل: "زعموا مطية الكذب".
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَيَوْمَ: الواو استئنافية أو عاطفة، "يوم" ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره "اذكر"، أو مفعول به للفعل المقدر.
يُنَادِيهِمْ: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله تعالى، والهاء مفعول به والميم للجمع، وجملة الفعل مضاف إليها يوم.
أَيْنَ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم.
شُرَكَائِيَ: مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة مناسبة ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نعت لشركائي.
كُنتُمْ تَزْعُمُونَ: "كنتم" فعل ماضٍ ناقص واسمه، وجملة "تزعمون" خبره، وجملة كان واسمها وخبرها صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، ومفعولا "تزعمون" محذوفان تقديرهما: تزعمونهم شركاء لي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تكرار هذا النداء الإلهي (الذي سبق في الآية 62) يأتي هنا بعد عرض الأدلة الكونية الساطعة على انفراد الله بالخلق والرحمة والتدبير (الآيات 71-73)؛ فكأن المعنى: إذا كان الله هو وحده الآتي بالضياء والليل والرحمة والفضل، فما وجه شرك أولئك الأصنام؟ واذكروا كيف سيسألون يوم القيامة سؤال عجز وخزي.
التناسب التركيبي الداخلي:
الانتقال من النظر الكوني في الدنيا إلى مشهد الفضيحة في القيامة يربط العقل البشري بمصيره المحتوم؛ ليدرك أن التمرد الدنيوي والشرك الزائف سينتهي إلى هذا الموقف المخزي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سر تكرار الآية (62 و74):
قد يظن الجاهل بأساليب القرآن أن هذا تكرار محض؛ والتحقيق البلاغي الدقيق: أن النداء الأول في الآية (62) كان مقدمة لمحاكمة الأتباع والمتبوعين وبراءة الرؤساء المضلين (الآية 63: {قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا})، أما النداء الثاني هنا في الآية (74) فهو مقدمة لإشهاد الأنبياء على أممهم وطلب البرهان العقلي الذي يعجز عنه المشركون (الآية 75: {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}). فالسياق الأول لمحاكمة الهياكل الاجتماعية الشركية، والسياق الثاني لإلزامهم بالحجة المعرفية والبرهانية وسقوط كل ادعاء أمام الشهود.
الاستفهام التوبيخي التعجيزي: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ}؛ فالغرض ليس الاستعلام بل إظهار عجزهم وإذلالهم وبيان كذب ما كانوا يعتقدون.
الحذف البليغ لمفعولي الزعم: في {كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}، للإشعار بسقوط المزاعم وتفاهتها بحيث لا تستحق أن تُذكر في ذلك المقام العظيم.
الظلال التدبرية والإشارية:
كل اعتماد على غير الله سينقلب في الآخرة إلى سراب وفضيحة؛ فمن اعتز بمال، أو جاه، أو متبوع ضال من دون الله، نودي يوم القيامة أمام الخلائق فتبرأ منه عزه الموهوم وضل عنه افتراؤه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تحذير المدعوين من خطر الشرك الخفي والجلي، وتذكيرهم بوقفات الحساب؛ فالداعية لا يكتفي بالبراهين النظرية، بل يوقظ الوجدان بهول مواقف القيامة حين تتلاشى كل القوى الأرضية.
الآثار التربوية والوجدانية:
التبرؤ التام من كل ندّ أو شريك يُصرف له شيء من المحبة أو الخوف أو التوكل من دون الله.