أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/593)جامع البيانالطبري١٩/٥٩٣ بسنده عن قتادة والسدي: "يقول تعالى ذكره: وتعاظم فرعون وجنوده وتكبروا وتجبروا في أرض مصر على عباد الله من بني إسرائيل وغيرهم، بغير حق ولا برهان؛ بل بالبغي والعدوان والظلم، {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ}: أي حَسِبوا أنهم لا يُبعثون بعد مماتهم ولا يُعادون إلينا للحساب والجزاء، فلذلك عتوا وبغوا وظلموا".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/236)مصدر غير محدد٦/٢٣٦: هذا تشخيص لعلة استكبارهم؛ فالأمن من مكر الله وإنكار البعث والجزاء في الدار الآخرة هو الذي جرأهم على هذا الاستكبار البشع؛ فمن أمن العقوبة أساء الأدب وطغى في الأرض.
وقرأ حمزة والكسائي: {لَا يَرْجِعُونَ} بفتح الياء وكسر الجيم (مضارع ثلاثي مبني للفاعل)، وقرأ الباقون {لَا يُرْجَعُونَ} بضم الياء وفتح الجيم (مضارع مبني للمفعول)، وكلاهما حق؛ فهم لا يرجعون بأنفسهم ولا يرجعهم غيرهم باختيارهم، بل يساقون إلى الله قهراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{وَاسْتَكْبَرَ}: الاستكبار هو طلب الكبر والتعاظم والترفع عن قبول الحق والانقياد له.
{بِغَيْرِ الْحَقِّ}: بالباطل المحض والجور؛ إذ لا يكون الكبر بالحق لأحد إلا لله جل جلاله المتكبر ذي الجلال.
{وَظَنُّوا}: حسبوا وقدّروا تقديراً خاطئاً فاسداً.
{لَا يُرْجَعُونَ}: لا يعادون بعد فنائهم للبعث والجزاء والحساب بين يدي الله.
الإعراب:
{وَاسْتَكْبَرَ}: الواو عاطفة، استكبر فعل ماض مبني على الفتح.
{هُوَ}: ضمير منفصل توكيد للفاعل المستتر في استكبر.
{وَجُنُودُهُ}: معطوف على الضمير المستتر الموكد، والهاء مضاف إليه.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلقان باستكبر.
{بِغَيْرِ}: جار ومجرور في محل نصب حال من الفاعل وجنوده، وغير مضاف إلى {الْحَقِّ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الكشف عن الجذور النفسية والعقدية للاستبداد:
بعد أن عرض أقوال فرعون الباطلة ومؤامرته مع هامان، كشف هذا النظم الإلهي العظيم عن الجذور الدفينة لهذا السلوك؛ وهي ثنائية مدمرة: الاستكبار عن قبول الحق {وَاسْتَكْبَرَ}، وإنكار الحساب والبعث {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ}؛ فإذا انخلع الخوف من الآخرة من قلب الحاكم تحول إلى وحش كاسر لا يرده خلق ولا ضمير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقييد الاستكبار بـ {بِغَيْرِ الْحَقِّ}:
محاكمة أصولية ولغوية:
هل يوجد استكبار بحق؟
والجواب المحكم: نعم؛ الكبرياء صفة كمال واستحقاق لله تعالى وحده المتفرد بالخلق والملك والعظمة؛ فله الكبرياء في السماوات والأرض؛ أما في حق المخلوق المربوب الضعيف الناشئ من نطفة مهينة والذي نهايته جيفة منتنة، فكل كبر منه هو "بغير الحق" وهو جهل وسفاهة وبغي محض؛ ولذلك ذم الله استكبار فرعون وجنوده.
{وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ}؛ إبراز لرأس الطغيان ومصدر الاستكبار الأول وهو فرعون نفسه، وعطف جنوده عليه لتحميلهم التبعة المشتركة؛ فالجند هم الأداة المنفذة التي لولاها لما استطاع فرعون استكباراً.
التعبير بـ {إِلَيْنَا}:
تقديم الجار والمجرور للاعتناء والحصر؛ أي: ظنوا أنهم لن يرجعوا إلينا نحن؛ بينما المرجع والمصير الحتمي والمآل القاهر لا يكون إلا إلى الله القاهر فوق عباده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أثر الإيمان باليوم الآخر في استقامة السلوك:
اليقين بالبعث والحساب والوقوف بين يدي الله هو الحارس الأكبر لضمير الإنسان؛ فإذا غاب الإيمان بالمعاد طغى الإنسان واستكبر وأفسد في الأرض.
التواضع لله والحذر من الكبر:
الكبر داء مهلك يحبط الأعمال ويطرد العبد من رحمة الله: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"؛ فالمؤمن دائم التواضع لخالقه وخفض الجناح للمؤمنين.