أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/628)جامع البيانالطبري١٩/٦٢٨ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "لما وبخهم الله وسأل عن الشركاء، أجاب رؤساء الضلال وقادة الكفر والشياطين الذين وجب عليهم العذاب فقالوا: {رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا}: يعني الأتباع والضعفاء الذين أضللناهم، {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا}: أي دعوناهم فاتبعونا باختيارهم وطوعهم كما ضللنا باختيارنا دون أن نكرههم بسلطان، {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ} منهم ومن عبادتهم، {مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}: بل كانوا يعبدون أهواءهم والشياطين".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/247)مصدر غير محدد٦/٢٤٧: مشهد تبرؤ القادة من الأتباع يوم القيامة، كما قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ}: وجب عليهم حكم العذاب ولزمتهم كلمة الشقاء؛ وهم كبراء الكفر وشياطين الإنس والجن.
{أَغْوَيْنَا}: الإغواء هو الإضلال والدعوة إلى الباطل وتزيين الهلاك.
{كَمَا غَوَيْنَا}: كما ضللنا نحن باختيارنا وشهوتنا دون إكراه.
{تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ}: أعلنا براءتنا التامة منهم وتخلينا عن نصرتهم.
الإعراب:
{قَالَ الَّذِينَ}: فعل وفاعل مبني على الفتح.
{حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ}: فعل ومتعلقاته وفاعل مرفوع، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انهيار العلاقات الشيطانية وانقطاع الروابط:
تصوير رهيب لمشهد التخاذل في ساحة الحساب؛ الرؤساء الذين كان المشركون يلتفون حولهم في الدنيا ويعظمونهم، يسارعون في هذا الموقف المرعب إلى إلقاء التبعة والتبرؤ من أتباعهم بكل وقاحة؛ ليعترفوا بأنهم لم يملكوا عليهم سلطاناً، وليتركوا الأتباع في قمة الحسرة والذهول.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير المسؤولية الفردية وبطلان الاحتجاج بإغواء الرؤساء:
محاكمة كلامية وتشريعية:
قول القادة: {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} يؤسس لأصل المسؤولية الجنائية الفردية؛ فالقادة لم يجبروا الأتباع بسيف ولا قهر، بل زينوا لهم الباطل فاستجاب الأتباع بكامل إرادتهم وعطلوا عقولهم؛ كما قال إبليس في موضع آخر: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم}؛ فلا عذر لأحد في التبعية العمياء.
تقديم المفعول {إِيَّانَا} في قوله {مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}:
التقديم لإفادة الاختصاص والحصر؛ أي: ما كانوا يخصوننا بالعبادة الحقيقية، بل كانوا يعبدون أهواءهم وشهواتهم التي زيناها لهم؛ تنصلاً تاماً من أي رابطة تربطهم بهم.
التعبير بـ {حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ}:
التعبير بالحقوق والثبوت لإظهار أن مصيرهم إلى العذاب قضاء مبرم لا رجعة فيه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من التبعية الفكرية والسياسية للظلمة:
تحذير لكل من يتبع دعاة الضلال ومروجي الانحراف؛ فكل متبوع سيتبرأ من تابعه يوم القيامة، ولن يحمل أحد وزر أحد: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}.
تجريد العقل والإرادة في طاعة الله:
المسلم عبد لله وحده، لا يرهن عقله ولا دينه لأحد من البشر كائناً من كان.