البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 295)مصدر غير محدد١٨/٢٩٥ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يمر في الأسواق فيقرأ هذه الآية ويقول: "إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل في هذه الآية إن لم يكن له نية صالحة"، إشارة إلى التحذير الشديد من إرادة الترفع والاستكبار على الخلق.
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 257)مصدر غير محدد٦/٢٥٧ عن عكرمة ومسلم البطين وغيرهما: "{عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ} أي تكبراً على عباد الله وتجبراً واستطالة بالباطل، {وَلَا فَسَادًا} أي عملاً بالمعاصي وأخذ أموال الناس وتخريب الدين والدنيا؛ فدار الكرامة والنعيم المقيم جعلها الله خاصة للمتواضعين المتقين الذين طهرت قلوبهم من حب الرياسة والظلم".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 326)مصدر غير محدد١٣/٣٢٦ أن مجرد "الإرادة" والميل القلبي للعلو والفساد يحرم العبد من كمال كرامة الآخرة، فكيف بمن يباشر العلو والفساد بجوارحه!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
تِلْكَ: اسم إشارة للبعيد، واستعمل هنا لإفادة عظم شأن الدار الآخرة وعلو رتبتها وبعد مداها في الفضل والخلود.
عُلُوًّا: التكبر، والترفع، وحب الرياسة والتسلط على عباد الله بغير حق.
فَسَادًا: المعاصي، والظلم، وتضييع حقوق الخالق والمخلوقين.
الْعَاقِبَةُ: المآل المحمود، والنصرة الدائمة، والجنة في الآخرة، وأصلها ما يعقب الشيء في نهايته.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
تِلْكَ: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ أول.
الدَّارُ: بدل أو نعت لاسم الإشارة مرفوع بالضمة.
الْآخِرَةُ: نعت ثانٍ مرفوع.
نَجْعَلُهَا: مضارع مرفوع، وفاعله ضمير العظمة مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول، وجملة نجعلها في محل رفع خبر المبتدأ (تلك).
لِلَّذِينَ: اللام حرف جر وتخصيص واستحقاق، "الذين" اسم موصول مبني في محل جر، والجار والمجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ للفعل نجعل.
فِي الْأَرْضِ: متعلقان بمحذوف نعت لعلو أو بالفعل يريدون.
وَلَا فَسَادًا: معطوف على علواً منصوب.
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ: الواو استئنافية، "العاقبة" مبتدأ مرفوع، "للمتقين" جار ومجرور شبه جملة في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تعتبر هذه الآية الخلاصة التشريعية والروحية العظمى لكل ما سبق في السورة؛ فالسورة افتتحت بذكر طغيان فرعون: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}، واختتمت قصصها بذكر طغيان قارون وبغيه: {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ}، فجاءت هذه الآية كقانون إلهي صارم يحسم معركة الوجود: من أراد العلو والفساد كفرعون وقارون أهلك وخسف به، والدار الآخرة بكل نعيمها محجوزة حصراً لمن سلم قلبه وعمله من هذين المرضين القاتلين.
التناسب التركيبي الداخلي:
نفي "الإرادة" {لَا يُرِيدُونَ} أبلغ من نفي الفعل المجرد؛ لأن الإرادة هي المحرك الباطني لكل استكبار، فإذا انتفت الإرادة صلح الباطن والظاهر، وتوج ذلك بالقاعدة الكلية: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق الفرق بين التجمل المباح وإرادة العلو المذموم:
قد يشكل حديث النبي عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ"، لما سأله رجل: "إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَاكَ؟ فَقَالَ: لَا، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ" (صحيح مسلم: 91).
فالآية تنفي العلو الذي يتضمن "غمط الناس" (احتقارهم وازدراءهم) و"بطر الحق" (رده والتكبر عليه)، أما حب التجمل النظيف والتنعم المعتدل بفضل الله دون تعالٍ على الخلق فليس من العلو المذموم، بل هو من شكر النعمة.
اسم الإشارة {تِلْكَ}: للتعظيم وتفخيم شأن الدار الآخرة كأنها في أفق رفيع منيع لا تنال بالأماني الهابطة.
تقديم نفي الإرادة على الفعل: لأن أصل النجاة طهارة القصد والسريرة من دنس حب الرياسة والظلم.
أل في {وَالْعَاقِبَةُ}: أل العهدية أو الاستغراقية؛ أي العاقبة المحمودة المطلقة في الدنيا والآخرة هي للمتقين لا لغيرهم.
الظلال التدبرية والإشارية:
حب الشهرة والظهور والرياسة يقصم الظهور، وهو الشرك الخفي الذي حذر منه العارفون؛ فطوبى لمن عاش خفياً تقياً، يسير بين الناس متواضعاً لا يلوي على مجد زائف، فله أعدت جنات الخلود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تربية الصف المسلم والدعاة على التجرد ونبذ حب الصدارة والمناصب؛ فالدعوة إلى الله لا تنتصر بأصحاب الأطماع الدنيوية الذين يبحثون عن العلو في الأرض.
الآثار التربوية والوجدانية:
مداواة القلب من آفات العجب والخيلاء وحب استتباع الناس والتسلط عليهم.
ترسيخ التقوى كمعيار وحيد للفوز بالمآل الحسن عند الله تعالى.