أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/589)جامع البيانالطبري١٩/٥٨٩ بسنده عن قتادة ومجاهد: "رد موسى على فرعون وملئه بأبلغ جواب وأعدله فقال: {رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ}: أي ربي الذي أرسلني يعلم الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ}: أي العاقبة الحميدة والنصر والغلبة في دار الدنيا والجنة في الآخرة، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}: أي لا يظفر الظالمون المشركون المعتدون ببغيتهم، بل عاقبتهم الخسار والبوار".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/235)مصدر غير محدد٦/٢٣٥: هذا تفويض عدل ومحاكمة منصفة؛ فموسى لم يقابل سبابهم بسباب، بل أحال الحكم إلى الله العليم الخبير الذي يفصل بين العباد بعاقبة النصر للحق وعاقبة الخزي للظلمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أدب المناظرة ورباطة جأش الأنبياء:
مقابلة بليغة بين طيش الباطل واتهاماته التافهة {سِحْرٌ مُّفْتَرًى} وبين رصانة الحق وهدوء نبرته الإيمانية؛ فموسى لم ينفعل ولم يقابل الإساءة بالإساءة، بل احتكم إلى ميزانين لا يخطئان: علم الله المحيط بالسرائر، وعاقبة التاريخ التي لا تدين إلا لأهل التقوى والإصلاح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة "العاقبة للمتقين" وحتمية فشل الظلم:
محاكمة فلسفية وتاريخية:
ختم الآية بقانون مطلق: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}؛ والقرآن يعبر بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار ونفي أصل الفلاح؛ فالظالم قد ينتفش باطله في جولة أو مرحلة، وقد يمتلك القوة والصولجان، ولكنه بنص القرآن يستحيل أن يحقق "الفلاح" النهائي؛ فمآله الحتمي هو السقوط والانهيار؛ لأن نظامه يصطدم مع نواميس الكون وسنن العدل الإلهية.
إيذان بكمال علم الله وتفرده بالإحاطة بالحقائق؛ فالنزاع لا يحسمه صياح فرعون ولا جبروته، بل يحسمه علم الله وقضاؤه النافذ.
الإضافة في {عَاقِبَةُ الدَّارِ}:
إضافة العاقبة إلى الدار تفيد المآل النهائي الحقيقي؛ فالدار الدنيا والآخرة لله؛ وعاقبتها الحسنى لا تكون إلا لأهل الإيمان والإصلاح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاحتكام إلى التاريخ وسنن الله:
على الداعية عند اشتداد غطرسة الظالمين أن يذكرهم بعاقبة الأمور ومصارع الغابرين؛ فإن العاقبة لا تصنعها القوة المادية العاتية، بل تصنعها التقوى والاستقامة.
اليقين ببطلان فلاح المفسدين:
امتلاء قلب المؤمن بالثقة في أن كل مشروع ظالم مآله إلى الفشل والبوار وإن زُخرف بالدعاية والقوة.