أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/545)جامع البيانالطبري١٩/٥٤٥ بسنده عن مجاهد وقتادة وابن عباس: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}: "قالوا: الأشُدّ ثلاث وثلاثون سنة، {وَاسْتَوَىٰ}: قالوا: أربعون سنة؛ وهو كمال القوة والعقل وتمام الرجولة"، وقيل: استوى أي تمّ خلقه واعتدل جسمه.
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/223)مصدر غير محدد٦/٢٢٣: {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا}: أي الحكمة والفهم والفقه في الدين، وحسن القضاء بين الناس، والمعرفة بالله وشرعه قبل النبوة، وقيل: هو النبوة والوحي بعينه؛ وعقّب سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}؛ أي بهذا الجزاء العظيم من الفهم والرشد نثيب كل من أحسن في عمله وعقيدته ونيته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{بَلَغَ أَشُدَّهُ}: بلوغ الأشد هو استحكام قوة البدن واكتمال النشاط والرجولة.
{وَاسْتَوَىٰ}: الاستواء هو كمال العقل ونضج البصيرة وتكامل التجربة في سن الأربعين.
{حُكْمًا}: الحكمة؛ وهي وضع الشيء في موضعه الصحيح، والفصل الصائب في الأمور وسداد الرأي.
{عِلْمًا}: الفهم الصادق والمعرفة بالحقائق الشرعية والسننية والتوفيق الإلهي.
{الْمُحْسِنِينَ}: الذين أحسنوا عبادة الله وأحسنوا في معاملة خلقه.
الإعراب:
{وَلَمَّا}: الواو عاطفة، لما رابطة شرطية ظرفية تفيد الوجود لوجود.
{بَلَغَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على موسى.
{أَشُدَّهُ}: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
{وَاسْتَوَىٰ}: معطوف على بلغ ماض مبني على الفتح المقدر.
{آتَيْنَاهُ}: فعل ماض وفاعله ومفعوله الأول، والجملة جواب لما لا محل لها.
{حُكْمًا}: مفعول به ثان لآتينا منصوب بالفتحة.
{وَعِلْمًا}: معطوف على حكماً منصوب.
{وَكَذَٰلِكَ}: الواو استئنافية، الكاف حرف جر، ذا اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب، والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم لنجزي.
{الْمُحْسِنِينَ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال الزمني وبدء مرحلة الفتوة والتكليف:
طوى القرآن سنوات الطفولة والصبى الهادئة بعد الرضاع؛ لأنها لا تشتمل على مواقف تشريعية جديدة، وانتقل مباشرة عبر أسلوب الإيجاز البليغ إلى مرحلة الرجولة والنضج والمسؤولية {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ}؛ تهيئة لما سيجري عليه من الاختبارات والمحن الكبرى في مصر ومدين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط بين الإحسان وإيتاء العلم والحكمة:
محاكمة سلوكية أصولية:
ذيّل الآية بقوله: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}؛ لتقرير قاعدة قرآنية تربوية كبرى: إن العلم النافع والحكمة وسداد الرأي ليست محض تحصيل ذهني مجرد، بل هي أنوار ربانية يفيضها الله في قلوب المحسنين جزاءً لإحسانهم وتقواهم؛ كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}. فمن أراد الحكمة والفهم عن الله فعليه بمرتبة الإحسان.
مقابلة وتكامل بين كمالين: كمال البدن والقوة العضلية {بَلَغَ أَشُدَّهُ}، وكمال العقل والاتزان الروحي {وَاسْتَوَىٰ}؛ لأن القيادة الحقيقية تتطلب قوة البدن وسداد العقل، وهو ما أثبتته ابنة شعيب لاحقاً: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.
تنكير {حُكْمًا وَعِلْمًا}:
تنكير للتعظيم والتفخيم؛ أي حكماً عظيماً وعاماً تزن به الأمور، وعلماً رفيعاً لدنياً تتنزل به الحقائق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إعداد القادة والمصلحين:
لا يتصدر للقيادة والدعوة من كان ضعيف العقل أو خائر القوة؛ فالقيادة تحتاج إلى نضج واستواء ووعي وتدريب عميق على الصبر وسداد الرأي.
التحلي بالإحسان في السر والعلن:
الإحسان مفتاح الفيوضات الإلهية ومظنة التوفيق والهداية والتسديد في مسالك الحياة ومواجهة الأزمات.