أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/624)جامع البيانالطبري١٩/٦٢٤ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين المعرضين عن الهدى حرصاً على دنياهم: ومهما أعطيتم من شيء من أموال وبنين ورياسة وجاه وأثاث، فإنما هو متعة فانية تافهة تتمتعون بها في أيام قلائل في هذه الدار، وزينة زائلة تتبهجون بها ثم تزول؛ والذي عند الله في الدار الآخرة من النعيم المقيم والخلود في الجنات خير لكم في وصفه، وأبقى في بقائه ودوامه؛ أفلا تعقلون فتميزون بين الفاني الزائل والباقي الدائم الخالد؟!".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/245)مصدر غير محدد٦/٢٤٥: تزهيد حكيم في زهرة الدنيا الفانية وترغيب في نعيم الآخرة الدائم؛ كما قال النبي ﷺ في صحيح مسلم: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بمَ ترجع!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{مَتَاعُ}: الشيء القليل الذي ينتفع به زمناً يسيراً ثم يبلى ويفنى كأثاث البيت ومتاع السفر.
{وَزِينَتُهَا}: ما يتجمل به الإنسان ظاهراً دون أن يغير من حقيقة فنائه شيئاً.
{خَيْرٌ}: أعظم حسناً ولذة ونفعاً ونقاءً من كل كدر.
{وَأَبْقَىٰ}: دائم مستمر لا ينقطع أبداً ولا ينغص بزوال.
{أَفَلَا تَعْقِلُونَ}: استفهام توبيخي لحث العقول على الموازنة الرشيدة بين العاجل الزائل والآجل الدائم.
الإعراب:
{وَمَا}: الواو استئنافية، ما شرطية جازمة أو موصولة مبتدأ.
{أُوتِيتُم}: فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعل.
{مِّن شَيْءٍ}: متعلقان بمحذوف حال من ما أو تمييز.
{فَمَتَاعُ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، متاع خبر لمبتدأ محذوف تقديره "فهو متاعُ"، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط (أو خبر ما الموصولة). ومتاع مضاف إلى {الْحَيَاةِ} والحياة مضاف إلى {الدُّنْيَا}.
{وَزِينَتُهَا}: معطوف على متاع مرفوع، والهاء مضاف إليه.
{وَأَبْقَىٰ}: معطوف على خير مرفوع بضمة مقدرة على الألف.
{أَفَلَا}: الهمزة للاستفهام التوبيخي، الفاء عاطفة، لا نافية.
{تَعْقِلُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم {تَعْقِلُونَ} بالخطاب، وقرأ الباقون {يَعْقِلُونَ} بالغيبة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفكيك التعلق النفسي بزخارف الدنيا:
اتصال عميق؛ لما كان مانع قريش من الإيمان هو خوفهم على مصالحهم وأموالهم وتجاراتهم في مكة، جاءت هذه الآية لتزن الدنيا والآخرة بميزان العقل المجرد؛ فبينت أن كل ما تملكونه وتتقاتلون عليه ليس سوى "متاع" قليل و"زينة" عابرة؛ بينما نعيم الآخرة يفضله بوصفين حاسمين: الجودة المطلقة {خَيْرٌ}، والخلود الدائم {وَأَبْقَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الموازنة العقلية بين الفاني والباقي:
محاكمة فلسفية ومنطقية:
ختم الآية بقوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} يبرهن على أن الإيمان والزهد في الحرام ليس دروشة عاطفية بل هو مقتضى "العقل الصريح"؛ فلو خير عاقل بين خزف باقٍ وبين ذهب فانٍ لرجّح عقله الخزف الباقي على الذهب الفاني؛ فكيف إذا كان الخيار بين نعيم الجنة وهو ذهب خالص باقٍ لا يفنى، وبين الدنيا وهي خزف حقير فانٍ زائل؟! فإيثار الدنيا على الآخرة سفه عقلي بيّن.