البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 303)مصدر غير محدد١٨/٣٠٣ عن قتادة ومجاهد: "يقول تعالى: ولا يصرفنك يا محمد هؤلاء المشركون بكيدهم وتكذيبهم وشبهاتهم عن تلاوة آيات الله وتبليغها وإقامتها في الناس، بعد إذ تفضل الله عليك بإنزالها وإكرامك بها".
{وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ}: أي واصل طريق الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، ولا تكترث لصدودهم ومعارضتهم.
{وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: أي ولا تكن في عدادهم بموافقتهم على أهوائهم، ولا تركن إلى شريعتهم الباطلة، واثبت على ملة التوحيد الحنيفية.
ويذكر القرطبي (ج 13، ص 328)مصدر غير محدد١٣/٣٢٨: "أمره بالثبات والمواصلة في أداء الرسالة، ونهاه عن التأثر بمكر الكفار أو الاستجابة لعروضهم الماكرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
يَصُدُّنَّكَ: الصد هو المنع والصرف بالقوة أو الحيلة والتشغيب.
وَادْعُ: الدعوة هي النداء والحث والترغيب في سلوك طريق النجاة.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَلَا يَصُدُّنَّكَ: الواو عاطفة، "لا" ناهية جازمة، "يصدنك" مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم (والأصل يصدوننك حذفت نون الرفع للجزم والواو لالتقاء الساكنين)، والفاعل ضمير مستتر أو يعود على المشركين، والكاف مفعول به.
عَنْ آيَاتِ اللَّهِ: متعلقان بيصدنك.
بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ: "بعد" ظرف زمان مضاف، "إذ" ظرف زمان مبني مضاف إليه، وجملة "أنزلت إليك" في محل جر بالإضافة، ونائب الفاعل مستتر.
وَادْعُ: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الواو)، والفاعل مستتر تقديره أنت.
إِلَىٰ رَبِّكَ: متعلقان بادع.
وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: معطوفة على ما قبلها وإعرابها نظير الآية السابقة تماماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
رسم الخطة الإستراتيجية لمواجهة ضغوط أعداء الدين؛ فبعد النهي عن معاونتهم ومظاهرتهم، جاء النهي عن مجرد التأثر بصدهم وإعاقتهم، وأمر بالهجوم الإيجابي المعاكس وهو مضاعفة الدعوة إلى الله: {وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ}؛ فالداعية لا ينشغل بردود الأفعال المدافعة، بل يبادر بنشر الحق وتثبيت التوحيد.
التناسب التركيبي الداخلي:
تكرار النهي المؤكد بنون التوكيد الثقيلة {وَلَا يَصُدُّنَّكَ}، {وَلَا تَكُونَنَّ} يحيط الأمر بالدعوة {وَادْعُ} بسياج حصين من العزيمة، لمنع أي تسرب للوهن أو التراجع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة النهي عن الشرك لمن هو إمام الموحدين:
تكرار التحذير للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، يقطع أطماع المنافقين والمتربصين؛ فإذا كان خليل الرحمن ورسوله المصطفى يُحذر هذا التحذير القاطع الزاجر من مقاربة الشرك وأهله، فكيف بمن دونه من أمته؟ إنه تعليم وتربية صارمة للأمة كلها ألا تتساهل قط في قضايا التوحيد والبراءة من الشرك.
النهي الموجه للمفعول والمراد به الفاعل مجازاً: {وَلَا يَصُدُّنَّكَ}؛ أي لا تمكنهم من صدك ولا تطاوعهم، فنسب الفعل إليهم ووجه النهي إليه بالتبع لبيان قوة الممانعة المطلوبة منه.
التقييد بـ {بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ}: للتأكيد على وضوح الحجة ورسوخ البينة؛ فالتراجع بعد نزول الوحي أشد قبحاً وجناية.
الظلال التدبرية والإشارية:
العمل للدين والصدع بالحق هو الحصن المنيع ضد الفتن؛ فأفضل وسيلة لعدم التأثر بصدود المبطلين هي الإيغال في الدعوة والبيان؛ فالماء الجاري لا يأسن، والداعية المتحرك لا يجد الباطل سبيلاً إلى اختراقه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
التركيز على الهدف الأساسي للدعوة: {إِلَىٰ رَبِّكَ}، لا إلى حزب، ولا إلى جماعة، ولا إلى شخصية، بل تعبيد الناس لخالقهم ومولاهم الحق، والثبات أمام حملات التشويه والصد.
الآثار التربوية والوجدانية:
استعذاب المشاق والأذى في سبيل تبليغ آيات الله دون وهن ولا استكانة.
الحذر من كل خطوة تقود إلى موالاة المشركين أو الرضا بضلالاتهم وشعائرهم.