أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/601)جامع البيانالطبري١٩/٦٠١ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "يقول تعالى ذكره: وما كنت يا محمد بجانب جبل الطور حين نادينا موسى وألقينا إليه الألواح وكلمناه، ولكنّا أرسلناك وأطلعناك على ذلك رحمة من ربك بك وبالعباد؛ {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ}: يعني قريشاً والعرب الذين كانوا في جاهلية جهلاء وأهل فترة لم يبعث إليهم رسول منذ عهد إسماعيل عليه السلام، لعلهم يتعظون وينيبون إلى ربهم".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/239)مصدر غير محدد٦/٢٣٩: هذا تأكيد ثالث للبرهان الغيبي؛ فنفى حضوره في ثلاثة مواطن فاصلة من حياة موسى:
جانب الغربي عند قضاء الأمر وإحكام النبوة.
أرض مدين وسنوات الرعي والزواج.
جانب الطور عند النداء والمناجاة وتنزيل التوراة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{بِجَانِبِ الطُّورِ}: سفح جبل سيناء المبارك.
{إِذْ نَادَيْنَا}: وقت مناجاتنا لموسى وتكليمنا له.
{رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}: مفعول لأجله أو مصدر منصوب بفعل محذوف؛ أي أرسلناك رحمة.
{قَوْمًا}: قريشاً ومشركي العرب الذين لم ينزل عليهم كتاب قبله.
{مَّا أَتَاهُم}: ما نافية؛ أي لم يأتهم نذير مباشر في زمانهم القريب.
{نَّذِيرٍ}: فاعل أتاهم مجرور لفظاً مرفوع محلاً، والجملة في محل نصب نعت لقوماً.
{مِّن قَبْلِكَ}: متعلقان بمحذوف نعت لنذير.
{لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}: لعل واسمها وخبرها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكامل البراهين الثلاثة وتتويجها بالرحمة والإنذار:
تدرج هندسي بديع في نفي المشاهدة الحسية؛ استوفى كل جغرافيا قصة موسى (الغربي، مدين، الطور)؛ ثم كشف عن علة هذا الإيحاء المعجز؛ وهو الرحمة الإلهية المهداة للعرب والعالمين؛ لإنقاذ أمة أمية عاشت في ظلمات الجاهلية والفترة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التوفيق بين نفي النذير وكون الأنبياء بعثوا في الأرض:
محاكمة أصولية تاريخية:
قوله: {مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} يقرر أن قريشاً والعرب لم يبعث فيهم نذير خاص مباشر منذ إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام؛ فكانوا في فترة وانقطاع من الرسل؛ وهذا لا ينافي عموم قوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ}؛ لأن أسلافهم القدماء خلت فيهم النذر (هود وصالح وإسماعيل)، ثم انقطعت النبوة عنهم قروناً متطاولة؛ فكانت بعثة محمد ﷺ إقامة للحجة وإحياء للفطرة ورحمة بهم لئلا يحتجوا بالفترة.