أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (برقم 32235)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٢٣٥ والطبري في "جامع البيان" (19/562)جامع البيانالطبري١٩/٥٦٢صحيح بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين وجد الرعاة قد وضعوا على فم البئر صخرة لا يقلعها إلا عشرة رجال، فلما رأت المرأتان ذلك استأخرتا، فجاء موسى فرفع الصخرة وحده كأنها حصاة، فسقى لهما ذنوباً واحداً حتى رويت غنمهما، ثم أعاد الحجر مكانه، وتولى إلى الظل وهو جائع مجهد لا يملك درهماً ولا كسرة خبز، فقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "سار موسى من مصر إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، حتى خضرت بطنه وسقط خف قدميه من شدة المشي حافياً، فلما قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} سمع الله دعاءه ورزقه من حيث لم يحتسب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{فَسَقَىٰ لَهُمَا}: باشر سقاية مواشيهما بنفسه وقوته ابتغاء وجه الله ومروءة.
{تَوَلَّىٰ}: انصرف ورجع إلى موضع مستور هادئ.
{إِلَى الظِّلِّ}: ظل شجرة سمرة كانت هناك يستظل بظلها من وهج شمس الظهيرة.
{فَقِيرٌ}: محتاج مفتقر غاية الافتقار إلى فضل الله ورزقه؛ والفقر خلو اليد والحاجة الماسة.
الإعراب:
{فَسَقَىٰ}: الفاء عاطفة للتعقيب، سقى فعل ماض مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر تقديره هو.
{لَهُمَا}: متعلقان بسقى.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي والمهلة والاستبعاد.
{تَوَلَّىٰ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر.
{لِمَا}: اللام جارة، ما موصولة في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بـ{فَقِيرٌ}.
{أَنزَلْتَ}: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{إِلَيَّ}: متعلقان بأنزلت.
{مِن خَيْرٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من عائد الموصول المحذوف (لما أنزلته إليّ من خير).
{فَقِيرٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال الإخلاص وعفة النفس:
ترابط إيماني يعجز عنه البيان؛ فموسى سقى لهما تطوعاً ومروءة، ثم لم يقف ينتظر منهما شكراً ولا مكافأة ولا حتى التفاتة إعجاب؛ بل انصرف فوراً {ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ} وتوجه بكليته إلى ربه الغني الكريم، يعرض فقره وحاجته المادية والروحية بين يدي خالقه؛ فكانت النتيجة أن ساق الله إليه الرزق والمأوى والزوجة والنبوة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أدب الدعاء بالتعريض دون التصريح:
محاكمة ذوقية وبلاغية:
لم يقل موسى: "يا رب أطعمني فإني جائع، وزوجني فإني أعزب، وآوني فإني شريد"؛ بل تلطف في السؤال بأسلوب التعريض الإيماني الرفيع: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}؛ فأثبت غنى الله وكرمه المطلق، وأثبت فقر نفسه وعجزه؛ وهذا من أعلى مراتب الأدب مع الله؛ فإظهار الفقر إلى الله هو غاية الغنى.
استعمل {ثُمَّ} في قوله: {ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ} لبيان الفاصل الروحي التام بين موقفه مع الخلق وموقفه مع الخالق؛ فبمجرد أن أدى حق المروءة انقطع عن الناس تماماً وذهب إلى الظل ليتفرغ لمناجاة ربه؛ تعففاً وزهداً.
تقديم المجرور {لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ}:
تقديم المتعلق على الخبر {فَقِيرٌ} للاعتناء بشأن النعمة المنزلة من الله، وإظهار التلهف على كل عطاء قليل أو كثير يتنزل من جود الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد العمل لله والتنزه عن حظوظ النفس:
صانع المعروف لا ينتظر جزاءً ولا شكوراً من الخلق؛ بل يلقي معروفه ويمضي، ويكل أمره إلى الله الذي لا يضيع أجر المحسنين.
بركة هذا الدعاء العظيم:
دعاء موسى {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} من أرجى الأدعية لتفريج الكروب وجلب الرزق والوظيفة والزواج الصالح وتيسير الأمور المتعسرة؛ فمن استشعر فقره إلى الله أغناه الله من فضله.