أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/608)جامع البيانالطبري١٩/٦٠٨ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "يقول تعالى ذكره لنبيه: فإن لم يأتوا بهذا الكتاب الأهدى، ولم يستجيبوا لدعوتك ولم يقيموا حجة على ما ادعوا، فأيقن واعلم يا محمد أنهم لا يستندون إلى برهان ولا دليل، وإنما يتبعون أهواءهم وشهواتهم وتقليد آبائهم، {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ}: أي لا أحد أشد ضلالاً وخساراً ممن ترك وحي الله وبراهينه واتبع هوى نفسه الأمارة بالسوء، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم بالشرك واتباع الهوى".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/240)مصدر غير محدد٦/٢٤٠: حصرت الآية دوافع البشر في أمرين لا ثالث لهما: إما اتباع الوحي والهدى المنزل من الله، وإما اتباع الهوى والشهوات والظنون؛ فمن حاد عن الوحي فهو متبع لهواه كائناً من كان.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
القاعدة الذهبية الفاصلة في علم النفس الإنساني وتصنيف الأفكار:
ختام مهيب للجزء الثاني وسياق المناظرة؛ الآية تحسم النزاع الفكري للأبد بوضع الميزان الحاسم: ما داموا قد عجزوا عن الإتيان بكتاب أهدى ولم يستجيبوا للبرهان، فقد بطلت كل دعاواهم الفكرية، وانكشفت حقيقة كفرهم؛ إنه ليس شبهة علمية، بل هو محض "اتباع الهوى"؛ فالمسألة انقسمت إلى ثنائية حتمية: وحي أو هوى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ثنائية "الوحي والهوى" ودحض الحياد المزعوم:
محاكمة فلسفية وأصولية:
الآية تقرر أصلاً معرفياً وفلسفياً قاطعاً: في قضايا العقيدة والأصول الكبرى للوجود، لا يوجد خيار ثالث بين الوحي الإلهي المعصوم وبين الهوى البشري القاصر؛ فمن لم ينقد لهدى الله واستكبر عن الوحي سقط حتماً في أسر هواه وشهواته وضلالاته مهما ادعى العقلانية والموضوعية؛ فالعقل المجرد عن الوحي أسير للأهواء والمصالح الذاتية.
صيغة حصر قاطعة؛ تحصر علة عدم استجابتهم في سبب واحد ووحيد لا غير؛ وهو اتباع الأهواء؛ مما يسقط كل شبهاتهم وفلسفاتهم المصطنعة.
الاستفهام الإنكاري في {وَمَنْ أَضَلُّ}:
أسلوب بلاغي يفيد النفي التام مع المبالغة؛ أي: لا أحد في الوجود أشد تيهاً ولا أعمق ضلالاً ممن قاده هواه بغير هدى من الله؛ فالضلال درجات، وأعظمها أن يكون الهوى إلهاً متبعاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة اتباع الهوى على الفرد والأمة:
الهوى أخفى أمراض القلوب وأشدها فتكاً بالدين والعقل؛ والواجب على المسلم محاسبة نفسه وتفقد نياته، وعرض كل فكرة وخاطرة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
ثبات الداعية عند إعراض المكذبين:
عندما يعلم الداعية أن سبب إعراض الخصوم هو الهوى والظلم لا نقص الأدلة، يطمئن قلبه ويزول عنه الإحباط والأسف؛ ويعلم أن هداية التوفيق بيد الله الذي لا يهدي الظالمين المعاندين.