البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
يوضح الطبري (ج 18، ص 278)مصدر غير محدد١٨/٢٧٨ أن المعنى: أخبروني إن حبس الله عليكم الضياء فجعله نهاراً دائماً إلى يوم البعث، من هذا المعبود المزعوم الذي يأتيكم بظلام ليل تأوون فيه إلى مساكنكم وتستريحون من التعب والنصب وعناء التصرف والسعي؟ {أَفَلَا تُبْصِرُونَ} أي أفلا تنظرون بأعينكم وتدركون ببصائركم تتابع هذين الخلقين العظيمين ونفاذ قدرة الرب الخالق؟
ويذكر القرطبي (ج 13، ص 317)مصدر غير محدد١٣/٣١٧: "لو دام النهار لاحترقت الأرض وما عليها من حرارة الشمس، ولهلكت الحيوانات والنباتات من مواصلة الكد والحركة وفقدان الهدوء والراحة".
ويقرر السعدي في تفسيره (ص 622): "العبد بحاجة ماسة إلى السكون والاستقرار لترتاح القوى وتهدأ النفوس وتستعيد الأبدان نشاطها، ولا يتم ذلك إلا بظلمة الليل وسكونه".
*تفسيره* (ص 622)مصدر غير محدد٦٢٢
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
النَّهَارَ: الضياء ما بين طلوع الفجر أو الشمس إلى غروبها، وسمي نهاراً لاتساع نوره وأخذه من نهر النهر إذا اتسع وانبسط.
تَسْكُنُونَ: من السكون وهو ضد الحركة والاضطراب، ويتضمن هدوء الجوارح، وسكينة القلب، والاستقرار في المسكن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
هذه الآية هي المقابلة البلاغية والمنطقية التامة للآية السابقة؛ فقد اكتمل الاستدلال بفرضي التقابل: تقابل افتراض الليل الدائم مع النهار الدائم، لإبراز كمال الحكمة في التوازن الكوني بين السكون والحركة.
التناسب التركيبي الداخلي:
أضاف في حق الليل قوله: {تَسْكُنُونَ فِيهِ} بينما لم يقل في النهار "تتحركون فيه"؛ لأن الاحتياج إلى السكون والراحة أعظم خطراً عند انقطاعه، ولأن النهار مظهره الضياء فكان مجرد ذكره كافياً في الدلالة على أثره، بينما الليل مقصده الأهم والأنفع هو إحداث السكن والهدوء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع استشكال المقابلة البلاغية وختام الفواصل:
لماذا ختم الأولى بقوله: {أَفَلَا تَسْمَعُونَ} وختم الثانية بقوله: {أَفَلَا تُبْصِرُونَ}؟
التحقيق عند الرازي وأبي السعود وابن عاشور: أن النهار هو وقت ظهور المرئيات وانكشاف الألوان والأشكال للأعين فناسب الحث على الإبصار {أَفَلَا تُبْصِرُونَ}، بينما الليل موطن تعطيل الأبصار وشدة التيقظ للأصوات فناسب الحث على السماع {أَفَلَا تَسْمَعُونَ}. وفضلاً عن ذلك، فإن الحجة في انقشاع الليل بضياء النهار تسمع بالأخبار والآيات المتلوة، بينما إبصار الليل الداخل بسكونه على النهار القائم تشاهده الأعين عياناً.
المقابلة التامة: بين الليل والنهار، والضياء والليل الساكن، والسماع والإبصار؛ وهي من أبهى المقابلات القرآنية الإعجازية التي تجمع بين الإمتاع الجمالي وقوة الحجة البرهانية.
التنكير في {بِلَيْلٍ}: للتفخيم والتعظيم لسترته ورحمته بالعباد.
الظلال التدبرية والإشارية:
سكن الليل آية نفسية وبدنية بالغة؛ فالظلام ليس مجرد غياب للنور، بل هو لباس نفسي وفسيولوجي يفرز الهدوء في الأعصاب، ويعيد شحن طاقات الإنسانية لمواصلة خلافة الأرض وعمارتها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تربية المسلم على النظر الكوني واستحضار النعم؛ فالكون مرآة لأسماء الله وصفاته، والداعية الناجح هو من يحيي في نفوس المدعوين دهشة التأمل في بديع الصنعة الإلهية.
الآثار التربوية والوجدانية:
تنظيم الحياة بين أوقات العمل والسعي بالنهار، وأوقات الراحة والعبادة والتفكر بالليل.
تعظيم التقدير الإلهي المحكم؛ فليس في الكون عبث ولا عشوائية، بل ميزان دقيق يحفظ الحياة والأحياء.