أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/617)جامع البيانالطبري١٩/٦١٧ بسنده عن ابن عباس والضحاك وقتادة: "نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف القرشي؛ قال للنبي ﷺ: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وآمنّا بك أن تتخطفنا العرب من أرضنا مكة؛ فإنهم مجتمعون على خلافك وليس لنا بهم طاقة إن ناصبونا العداء! فرد الله عليهم عذرهم الواهي فقال: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا}: أي ألم نجعل لهم بلدهم مكة حرماً آمناً بحرمة بيتنا يأمنون فيه من القتل والغارة والنهب والعرب يقتل بعضهم بعضاً حولهم؟! {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ}: تساق إليه أرزاق الآفاق من كل بلاد رزقاً وتفضلاً منا، فكيف يخافون التخطف مع الإيمان بالله وهم آمنون في حال كفرهم وشركهم؟! ولكن أكثرهم لا يعلمون سنن الله ولطفه".
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: {تُجْبَىٰ إِلَيْهِ} بتاء التأنيث لتأنيث الثمرات، وقرأ حمزة والكسائي وحفص: {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ} بياء التذكير للفصل بين الفعل والفاعل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{نُتَخَطَّفْ}: التخطف هو الأخذ بسرعة وانتزاع واختلاس وقهر وقتل وسبي.
{نُمَكِّن لَّهُمْ}: نجعل لهم مكاناً ثابتاً ومأوى مستقراً ذا هيبة.
{حَرَمًا آمِنًا}: مكة المكرمة المعظمة المحرم فيها القتال، الآمن أهلها وزوارها.
{يُجْبَىٰ}: الجباية هي الجمع والجلب والسوق من الأماكن البعيدة المتفرقة.
{مِّن لَّدُنَّا}: من فضلنا ولطفنا ورزقنا المباشر دون كد ولا زراعة عندهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
محاصرة الأعذار الأمنية والاقتصادية:
تفنيد عقدي واقتصادي ساحق؛ قريش تعتذر عن اتباع التوحيد بذريعة الخوف على الاستقرار الأمني والاقتصادي (الخوف من الحرب والجوع)؛ فرد القرآن بنقض حجتهم من واقعهم المشهود: ألستم ترون أنكم في واد غير ذي زرع ومع ذلك تأتيكم خيرات الأرض كلها بحرمة هذا البيت؟! فكيف تعتقدون أن الإيمان بالله يسلبكم الأمن والرزق، بينما أطعمكم الله من جوع وآمنكم من خوف وأنتم تعبدون الأصنام؟! التوحيد سبب للأمن، والشرك سبب للهلاك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإيمان جالب للأمن والرزق ودحض وهم التعارض بين الدين والاستقرار:
محاكمة سياسية واقتصادية:
توهم قريش أن اتباع الحق يهدد مصالحهم الاقتصادية والأمنية هو الوهم نفسه الذي يقع فيه الجبناء في كل زمان؛ حين يظنون أن الركون إلى الطغاة ومهادنة الباطل يحفظ لهم مناصبهم وتجاراتهم؛ والقرآن يقرر عكس ذلك تماماً: الأمن الحقيقي والرخاء الاقتصادي ثمرة محتومة لتقوى الله {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}؛ والشرك والظلم هما بوابة الخوف والجوع والتخطف.
الاعتراف بالحق في قولهم {إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ}:
سموه "هدى" باعتراف ألسنتهم؛ فاعترفوا بأنه الهدى والحق، ثم تخلفوا عن اتباعه خوفاً على دنياهم الفانية ومصالحهم الموهومة؛ مما يفضح نفاقهم وجبنهم.
التعبير بالفعل المبني للمجهول {يُجْبَىٰ إِلَيْهِ}:
تصوير لحركة الأرزاق وهي تساق إليهم من مشارق الأرض ومغاربها بقدرة الله وسخائه دون أن يبذلوا فيها جهداً زراعياً ولا صناعياً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير النفس من فوبيا المخاوف الدنيوية عند نصرة الحق:
لا يجوز للمسلم أن يعتذر عن قول الحق أو أداء الفرائض بالخوف على الرزق أو الوظيفة أو المكانة؛ فالأرزاق بيد الله، والأمن لا يملكه إلا الله.
شكر نعم الأمن والرخاء:
نعمة الأمن والاستقرار الغذائي من أعظم النعم؛ وشكرها يكون بطاعة الله وإخلاص العبادة له وحده {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}.