أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/635)جامع البيانالطبري١٩/٦٣٥ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد يعلم ما تخفيه وتستره صدور هؤلاء المشركين من العداوة لك، والحسد على ما أوتيت من النبوة، والبغض للحق، كما يعلم ما يظهرونه بألسنتهم من الكذب والبهتان والاعتذار الباطل؛ لا يخفى عليه من أمرهم وسرائرهم خافية، وهو محيط بهم ومجازيهم عليها".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/249)مصدر غير محدد٦/٢٤٩: إحاطة علم الله بالظواهر والبواطن؛ فالسر عنده علانية، والضمائر مكشوفة لديه؛ وهو تأكيد لاستحقاقه التام للخلق والاختيار؛ لأن اختياره مبني على علم تام بالسرائر والنيات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{تُكِنُّ}: الإكنان هو الإخفاء والستر والإسرار في الصدر.
{صُدُورُهُمْ}: القلوب وبواطن النفوس؛ واستعمل الصدر لأنه وعاء القلب ومحل الخواطر.
{وَمَا يُعْلِنُونَ}: ما يظهرونه بألسنتهم وجوارحهم من الأقوال والأفعال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تعليل حكمة الاختيار والاصطفاء:
تناسب بياني دقيق؛ لما قرر في الآية السابقة أن الله يختار ما يشاء لرسالته وهدايته، بيّن في هذه الآية علة هذا الاختيار وميزانه؛ وهو علمه المحيط بنقاء القلوب وخبثها {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ}؛ فاختار محمداً ﷺ لعلمه بأنه أطهر القلوب وأزكاها، وحرم صناديد قريش لعلمه بما تكنه صدورهم من الكبر والغل والحسد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمول علم الله بالسرائر ودحض مزاعم النفاق:
محاكمة معرفية وعقدية:
الآية ترسي صفة كمال العلم الإلهي؛ فالمشركون والمنافقون كانوا يظهرون حججاً مادية كاذبة (كالخوف من التخطف أو طلب نزول القرآن على رجل عظيم)، ويخفون في صدورهم الباعث الحقيقي وهو الحسد وحب الرياسة؛ فأخبرهم الله بأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ فلا تجوز عليه الحيل ولا تروج لديه المعاذير المصطنعة.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
تقديم الباطن {مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} على الظاهر {وَمَا يُعْلِنُونَ}:
تقديم الإكنان على الإعلان لبيان كمال الإحاطة؛ فالإنسان قد يعلم ما يعلنه غيره، ولكن الله ينفرد بعلم ما يستكن في زوايا الصدور من أدق الخواطر والنيات؛ فقدم ما لا يعلمه إلا هو إظهاراً لعظمته وإحاطته.
التعبير بالفعل المضارع {تُكِنُّ} و{يُعْلِنُونَ}:
إفادة التجدد والاستمرار؛ فعلم الله محيط بكل ما يتجدد في النفوس والألسن في كل لحظة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دوام مراقبة الله في السر والعلن:
استشعار رقابة العليم الخبير يورث القلب حياءً وخشوعاً؛ فالمؤمن يجتهد في تطهير باطنه من الرياء والحسد والغل؛ لعلمه بأن نظر الله ينفذ إلى خفايا قلبه قبل ظواهر عمله.
تسلية الدعاة والمصلحين:
طمأنة لقلب النبي ﷺ والمؤمنين؛ فالله يعلم ما يدبره أعداء الدعوة في الخفاء وما يبيتونه من مكر، وسيكفيهم شرورهم وينصر دينه الحق.