أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/594)جامع البيانالطبري١٩/٥٩٤ بسنده عن قتادة ومجاهد والسدي: "لما أفرط فرعون في عتوه واستكبر هو وجنوده وخرج في أثر موسى وبني إسرائيل ليبيدهم، استدرجهم الله حتى دخلوا في البحر المنفلق وراء موسى، فلما تكاملوا وتلاحقوا انطبق عليهم البحر بأمر الله: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ}: أي أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ}: أي طرحناهم وألقيناهم في بحر القلزم غارقين هالكين كأنهم حصى أو شيء لا قيمة له، {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}: أي فاعتبر يا محمد واعتبروا يا أمة القرآن كيف كانت نهاية أولئك الطغاة المستكبرين".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/236)مصدر غير محدد٦/٢٣٦: التعبير بالنبذ تصوير لمهانتهم وهوانهم على الله؛ فالطغاة الذين ملأوا الأرض ضجيجاً وكبرياءً نبذهم الله في اليم كما ينبذ الإنسان الحصاة التافهة، فغرقوا جميعاً ولم يبق منهم عين تطرف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{فَأَخَذْنَاهُ}: الأخذ هنا هو الإمساك بالقهر والعقوبة والاستئصال المفاجئ.
{فَنَبَذْنَاهُمْ}: النبذ هو الطرح والإلقاء للشيء الحقير التافه الذي لا يُكترث به ولا يُعبأ بمصيره.
{الْيَمِّ}: بحر القلزم (البحر الأحمر) العظيم الأمواج.
{فَانظُرْ}: النظر هنا نظر تفكر واعتبار بالبصيرة والعقل.
{عَاقِبَةُ}: المآل والنهاية التي استقرت عليها حالهم وهي الهلاك والخزي.
الإعراب:
{فَأَخَذْنَاهُ}: الفاء عاطفة سببية، أخذنا فعل وفاعل ومفعول به أول.
{وَجُنُودَهُ}: معطوف على الهاء منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
{فَنَبَذْنَاهُمْ}: معطوف بالفاء، نبذنا فعل وفاعل، وهم مفعول به.
{فِي الْيَمِّ}: متعلقان بـ{نَبَذْنَاهُمْ}.
{فَانظُرْ}: الفاء فصيحة، انظر فعل أمر والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت.
{كَيْفَ}: اسم استفهام في محل نصب خبر كان مقدم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{عَاقِبَةُ}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف إلى {الظَّالِمِينَ} المجرور بالياء. والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي انظر القلبية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة السقوط والجزاء من جنس العمل:
تناسب عجيب في مجرى القصة؛ موسى أُلقي في اليم وهو رضيع ضعيف في تابوت بأمر الله لحفظه {فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} فنجا ورُد معززاً مكرماً؛ وفرعون أُلقي هو وجنوده في اليم بترسانتهم وجبروتهم {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} فغرقوا وهلكوا؛ ليتضح للمؤمنين أن اليم ماء مطيع لأمر ربه: يحفظ المستضعف الصالح، ويغرق الطاغية المارد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقير المستكبرين وتجريدهم من الهيبة:
محاكمة لغوية وفلسفية:
استعمل القرآن لفظ {فَنَبَذْنَاهُمْ} ولم يقل "فأغرقناهم"؛ للإشعار بهوان هؤلاء الجبابرة عند الله؛ فالإنسان ينبذ النواة والقمامة والحصى التافه؛ وهكذا كان فرعون وهامان وجيوشهم الجرارة؛ لا يزنون عند الله جناح بعوضة؛ فكان النبذ إذلالاً لنفوسهم المتكبرة التي ادعت الربوبية قبل ساعات!