روى البخاري في "صحيحه" (كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله، برقم 1360)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٦٠ ومسلم (كتاب الإيمان، برقم 24)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤ عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال رسول الله ﷺ: «أي عمّ، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله»، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله! فقال رسول الله ﷺ: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنهَ عنك»، فأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ}، وأنزل الله في أبي طالب: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/244)مصدر غير محدد٦/٢٤٤: أجمع أئمة التفسير والسنة على نزول هذه الآية في شأن أبي طالب عم النبي ﷺ؛ الذي كان يحوطه وينصره ويحبه رسول الله حباً جبلياً لقرابته ونصرته، وكان حريصاً على إسلامه، ولكن الله لم يقدر له الهداية لحكمة يعلمها سبحانه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{لَا تَهْدِي}: لا تملك خلق الهداية والتوفيق والتثبيت في قلب أحد.
{مَنْ أَحْبَبْتَ}: من أحببت هدايته لحرصك عليه، أو من أحببته محبة جبلية لقرابته كأبي طالب.
{يَهْدِي مَن يَشَاءُ}: يوفق للإيمان بمشيئته وحكمته من كان أهلاً للهدى.
{بِالْمُهْتَدِينَ}: المستعدين لقبول الحق الذين سبقت لهم سابقة السعادة في علمه الأزلي.
الإعراب:
{إِنَّكَ}: إن واسمها.
{لَا تَهْدِي}: لا نافية، تهدي مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر أنت، والجملة خبر إن.
{مَنْ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لتهدي.
{أَحْبَبْتَ}: فعل وفاعل والصلة لا محل لها، وعائدها محذوف تقديره "أحببته".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الصادمة بين إسلام الأباعد وكفر الأقارب:
نظم بديع يخلع القلوب؛ في الآيات السابقة ذكر وفد الحبشة ونجران الأباعد الذين قدموا من بلاد نائية وأسلموا وبكوا ونالوا الأجر مرتين؛ ثم جاءت هذه الآية لتبين أن أبا طالب أقرب الناس إلى النبي ﷺ والذي نصره بماله وجاهه مات على الكفر ولم تنفعه قرابته! لتتجلى الحقيقة العقدية المطلقة: الهداية فضل إلهي محض وليست وراثة طينية ولا قرابة نسبية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين "هداية الدلالة" و"هداية التوفيق":
محاكمة أصولية عقدية جامعة:
ورد في القرآن إثبات الهداية للنبي ﷺ في قوله تعالى في الشورى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، ونفيها عنه هنا: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}؛ فكيف يجمع بينهما؟!
التحقيق السني المحكم:
هداية الدلالة والإرشاد والبيان: وهي وظيفة النبي ﷺ والرسل والدعاة؛ وهي مثبتة له في آية الشورى؛ أي تبين الحق وتدل الناس عليه بالبلاغ المبين.
هداية التوفيق والإلهام وخلق الإيمان في القلب: وهي خاصة بالله تعالى وحده لا يملكها ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ وهي المنفية عنه في آية القصص؛ فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
نفي مطلق دائم للقدرة على تغيير قلوب العباد؛ تسلية لقلب النبي ﷺ وتخفيفاً للوعته وحزنه على عمه.
الختام بقوله {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}:
إحالة الأمر إلى الحكمة الإلهية؛ فالله لا يضل أحداً ظلماً ولا يهدي أحداً اعتباطاً؛ بل يعلم من يصلح قلبه للإيمان ونور الوحي فيهديه، ومن يغلب عليه الكبر والعناد فيصرفه ويخذله بحكمته وعدله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير الداعية من الشعور بالفشل عند عدم استجابة الأقارب:
على الداعية البلاغ والنصح وبذل الجهد والإحسان، وليس عليه هداية القلوب؛ فحتى رسول الله ﷺ لم يستطع هداية عمه الشقيق الذي كان يحميه؛ فالهداية توفيق من رب العالمين.
دوام التضرع بطلب الثبات والهداية:
القلوب بيد الله؛ فالمؤمن لا يغتر بصلاحه ولا نسبه، بل يلح على ربه دائماً: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك".