البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 285)مصدر غير محدد١٨/٢٨٥ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن قارون رد نصيحة الصالحين بجحود وقح واستكبار أعمى، فقال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}؛ واختلف في مراده:
قيل: على علم من الله بفضلي واستحقاقي لهذا المال، فلو لم أكن كريماً عنده لما أعطاني إياه.
وقيل: على علم عندي بوجوه المكاسب والتجارات والحيل وصنوف تنمية الثروة وخبرتي الذاتية.
وقيل: على علم بالتوراة، أو بما زعموه من الصنعة، والأولان هما الأصح سياقاً واعتباراً.
فرد الله تعالى عليه مبطلاً غروره: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا}: أي لو كان العطاء دليلاً على الرضا والكرامة، لمَ أهلك الله عاداً وثمود وأرباب الحضارات السابقة وهم أشد منه بطشاً وأعظم أموالاً؟
وقوله: {وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}: أي لا يسألون سؤال استعلام واستكشاف؛ لأن الله عليم بكل قطرة من جرائمهم ملائكته محصية لأعمالهم، بل يساقون إلى النار زمراً بغير تضييع وقت في الاستفسار، وقيل لا يسألون عند عقابهم الإهلاكي الدنيوي إذا نزل بهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
إِنَّمَا: أداة حصر وقصر تفيد نفي ما عدا المذكور وتأكيد الحصر.
الْقُرُونِ: جمع قرن، وهو الأمة من الناس المقترنة في زمان واحد.
جَمْعًا: ما جمعوه من الأموال، أو جمع الأتباع والأنصار والجيوش.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
قَالَ: فعل ماضٍ والفاعل مستتر يعود على قارون.
إِنَّمَا أُوتِيتُهُ: "إنما" كافة ومكفوفة، "أوتيتُه" فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء ضمير متصل نائب فاعل وهو المفعول الأول، والهاء ضمير متصل مفعول به ثانٍ، والجملة مقول القول.
عَلَىٰ عِلْمٍ: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من التاء أو الهاء (أي كائناً على علم أو بسبب علم).
عِندِي: ظرف مكان متعلق بمحذوف نعت لعلم، والياء مضاف إليه.
أَوَلَمْ يَعْلَمْ: الهمزة للاستفهام التوبيخي التعجيبي، والواو عاطفة على مقدر، "لم" جازمة، "يعلم" مضارع مجزوم وفاعله مستتر يعود على قارون.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تمثل الآية ذروة التمرد التكنوقراطي والمادي المغرور؛ فبعد النصيحة الأخلاقية الرفيعة، قطع قارون حبال التواضع وادعى أن الفضل كله يعود لعبقريته الذاتية واستحقاقه الشخصي، فجاء الرد الإلهي السريع بدليل تاريخي واقعي ينسف وهم الاستعلاء بالقوة والثروة.
التناسب التركيبي الداخلي:
استخدم الحصر {إِنَّمَا} في دعواه الباطلة، فقوبل باستفهام التقريع {أَوَلَمْ يَعْلَمْ} الذي يثبت جهله المطبق بسنن التاريخ ونواميس الأمم الهالكة، وختم ببيان حقارة المجرمين عند الله: {وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة التعارض في سؤال المجرمين:
قد يشكل: كيف تجمع بين قوله هنا: {وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}، وبين قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؟
الجواب الذي حققه الطبري وابن كثير والقرطبي: أن السؤال المنفي غير السؤال المثبت:
السؤال المنفي: هو سؤال الاستعلام والاستفهام عما فعلوه؛ فالله يعلمه ولا يخفى عليه خافية، أو سؤالهم لطلب العذر والحجة فلا عذر لهم.
السؤال المثبت: هو سؤال التقرير والتبكيت والتوبيخ وإقامة الحجة عليهم أمام الخلائق؛ لتنطق جوارحهم بما كسبوا.
كلمة {عِندِي}: تختصر كل علل الغرور والأنفية النفسية، وتذكر بكلمة فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ}، وكلمة إبليس: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ}، فهي الثلاثية المشؤومة لهلاك النفس البشرية (أنا، عندي، لي).
المقابلة التاريخية: بين قارون وقوته وجمعه، وبين القرون الغابرة الأشد قوة والأكثر جمعاً، وهي حجة استقرائية تاريخية قاطعة.
الظلال التدبرية والإشارية:
كل من ظن أن نجاحه المالي أو العلمي إنما هو بمحض عبقريته وشطارته دون فضل الله وتوفيقه، فقد ورث منطق قارون؛ والواجب الإيماني يقتضي أن يقول العبد دائماً: {مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ}، {هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
كشف المادية الجدلية والأنانية الرأسمالية التي تعزو النجاح إلى الذات وتنسى المنعم، وتذكير الطغاة بمصائر أسلافهم عبر التاريخ؛ فالأمم السابقة بنت ناطحات السحاب ومصانع السلاح ثم أبادها أمر الله في طرفة عين.
الآثار التربوية والوجدانية:
كسر شوكة العجب بالنفس وتطهير العمل من المن والإدلال.
إدراك أن كثرة المال ليست دليلاً على رضا الله، بل قد تكون استدراجاً ومكراً؛ "إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ" (مسند أحمد: 17311).