أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/559)جامع البيانالطبري١٩/٥٥٩ بسنده عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: "لما انتهى موسى إلى بئر مدين بعد مسيرة ثمانية أيام حافياً جائعاً لم يذق طعاماً إلا بقل الأرض، وجد على البئر جماعة كثيرة من الرعاة يستقون لمواشيهم، ووجد من دونهم امرأتين مستأخرتين تحبسان غنمهما وتمنعانها من أن تختلط بأغنام القوم لئلا يؤذيهما الرجال؛ فرقّ لهما موسى ودفعته مروءته وسألهما: {مَا خَطْبُكُمَا}؟ فأخبرتاه بحالهما: لا نستطيع مزاحمة الرجال الأقوياء، وننتظر حتى يفرغ الرعاة ويفضل من فضول مائهم، وأبونا شيخ كبير طاعن في السن لا يستطيع السقاية بنفسه".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/228)مصدر غير محدد٦/٢٢٨: المرأتان هما ابنتا رجل صالح من مدين، والمشهور أنه شعيب عليه السلام نبي الله، وقيل: بل ابن أخيه أو رجل صالح مؤمن من قومه واسمه يثرون؛ لأن زمن شعيب متقدم على موسى؛ ولكن القرآن سكت عن اسمه لحكمته، وذكر صلاحهما وعفتهما.
وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: {حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} بضم الياء وكسر الدال من أصدر الرباعي أي حتى يصرف الرعاة مواشيهم عن الماء، وقرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير {يَصْدُرَ} بفتح الياء وضم الدال من صَدَر الثلاثي أي حتى يرجع الرعاة بأنفسهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{وَرَدَ}: الورود هو الوصول إلى الماء للشرب أو السقاية.
{أُمَّةً}: جماعة كبيرة كثيرة من الناس.
{مِن دُونِهِمُ}: في مكان متأخر منعزل عنهم.
{تَذُودَانِ}: الذود هو الحبس والمنع والدفع؛ أي تحبسان غنمهما وتطردانها عن الماء لئلا تخالط مواشي القوم.
{مَا خَطْبُكُمَا}: الخطب هو الشأن العظيم ذو البال؛ أي ما شأنكما وما الذي أقعدكما هنا؟
{الرِّعَاءُ}: جمع راعٍ؛ كرِعاء وصِحاب وجِياع.
{شَيْخٌ كَبِيرٌ}: طاعن في السن عاجز عن الحركة والعمل الشاق.
الإعراب:
{وَلَمَّا}: عاطفة شرطية. {وَرَدَ}: فعل ماض وفاعله مستتر.
{مَاءَ}: مفعول به منصوب، وهو مضاف إلى {مَدْيَنَ}.
{وَجَدَ}: جواب الشرط فعل ماض وفاعله مستتر.
{عَلَيْهِ}: متعلقان بوجد.
{أُمَّةً}: مفعول به أول لوجد.
{مِّنَ النَّاسِ}: نعت لأمة.
{يَسْقُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب مفعول ثان أو نعت لأمة.
{وَوَجَدَ}: معطوف على وجد الأولى.
{مِن دُونِهِمُ}: متعلقان بوجد أو بمحذوف حال.
{امْرَأتَيْنِ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه مثنى.
{تَذُودَانِ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل، والجملة في محل نصب مفعول ثان أو حال.
{وَأَبُونَا}: الواو حالية، أبونا مبتدأ مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الخمسة ونا مضاف إليه.
{شَيْخٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
{كَبِيرٌ}: نعت لشيخ مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقاط المشهد الإنساني النبيل:
مشهد واقعي رفيع صوره القرآن بأوجز الألفاظ وأدق المعاني؛ موسى قادم من سفر منهك ومطاردة خطيرة، وبدلاً من أن يشغله البحث عن طعامه وشرابه وراحته، استوقفه مشهد الظلم الاجتماعي وضعف المرأتين أمام استئثار الرعاة؛ فتحركت فيه فطرة النبوة والشهامة لنجدتهما؛ مما يبرز أصالة معدن كليم الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ضوابط خروج المرأة للعمل والعفة الاجتماعية:
محاكمة اجتماعية وأخلاقية:
الآية تؤسس منظومة الأخلاق الاجتماعية الإسلامية في تعامل الجنسين:
خروج المرأة للعمل جائز عند الضرورة والحاجة؛ لقولهما: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} فبينتا العذر القاهر لخروجهما.