البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 287)مصدر غير محدد١٨/٢٨٧ عن ابن عباس ومجاهد أنه خرج في موكب أسطوري يفيض بالبذخ والأبهة؛ على براذين بيض، عليها سروج الأرجوان، ومعه ألوف الخدم والحشم والجواري متحلين بالذهب والديباج والحرير، مستعرضاً ثروته ليخلب عقول بني إسرائيل ويزعزع ثقتهم بالحق.
فلما رآه ضعاف الإيمان والهمم من أهل الدنيا أخذتهم الدهشة والاستصغار لأنفسهم: {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي يا ليتنا نملك مثل هذا المال والجاه، إنه لذو نصيب وافر وجدّ عظيم وسعادة لا تدانى في الدنيا.
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 254)مصدر غير محدد٦/٢٥٤: "هذا يمثل الفتنة بالمظاهر والزخارف التي تعمي البصائر وتجعل قاصري النظر يقيسون الفلاح بالمقاييس المادية البحتة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
زِينَتِهِ: ما يتزين به من الثياب والمراكب والذهب والأتباع؛ لإظهار الرفعة والبهاء.
يَا لَيْتَ: أداة تمنٍّ، والنداء قبلها لتنبيه السامعين لعظيم ما يتمناه في نفسه، أو هو نداء للأمنية.
حَظٍّ: النصيب والجدّ والسعد المالي والدنيوي.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
فَخَرَجَ: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والترتيب، "خرج" ماضٍ والفاعل مستتر يعود على قارون.
عَلَىٰ قَوْمِهِ: متعلقان بالفعل خرج، وتضمين الخروج معنى الاستعلاء والفوقية.
فِي زِينَتِهِ: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل خرج (أي متلبساً بزينته ومتبختراً بها).
إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ: إن واسمها، واللام المزحلقة للتوكيد، "ذو" خبر إن مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الخمسة، "حظ" مضاف إليه، "عظيم" نعت مجرور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تصور الآية ذروة الاستعراض المالي والإعلامي للباطل؛ فقارون لم يكتفِ برفض النصيحة سراً، بل عمد إلى استعراض فاقع علني يستهدف إغواء الجماهير وزعزعة إيمان المستضعفين، فقسم المجتمع فوراً إلى طائفتين: طائفة تنبهر بالظواهر المادية (الآية 79)، وطائفة أهل العلم والبصيرة التي ترى حقيقة الزيف وترد بالقوة الإيمانية (الآية 80).
التناسب التركيبي الداخلي:
تصدير وصف القائلين بـ {الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} يكشف العلة النفسية لحكمهم القاصر؛ فمن كانت الدنيا أقصى مراده رأى في قارون القدوة العظمى ورأس السعادة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد ميزان النجاح المادي:
تعالج الآية أخطر أمراض المجتمعات: الانبهار بالترف واستعماله كمقياس وحيد للتفاضل. لقد حكم هؤلاء على قارون بأنه {لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} بناءً على البريق الزائل، ولم يعلموا أن هذا "الحظ" المزعوم كان هو ذاته الحبل الذي سيشنق به ويهوي به في قعر الأرض بعد لحظات؛ فالعبرة بالخاتمة والعواقب لا بالبدايات والمظاهر.
التعدية بحرف {عَلَىٰ} في {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ}: كان الظاهر أن يقال "خرج إلى قومه"، لكن عدّي بـ "على" ليفيد معنى الاستعلاء، والتبجح، ومحاولة سحق نفوسهم بالهيبة والخيلاء.
التأكيد في {إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}: بإنّ واللام المزحلقة والوصف بعظيم، لتجسيد عمق الانهزام النفسي والانبهار الذي تملك قلوب طلاب الدنيا.
الظلال التدبرية والإشارية:
كم من "قارون" يخرج في كل عصر على وسائل الإعلام وميادين الشهرة في زينة مبهرة، وكم من مغفل ومفتون يهتف خلفه: "يا ليت لنا مثله"، ثم تأتي صواعق القدر لتري العالمين أن العز الزائف عار وخسف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تحصين الجماهير والمؤمنين من الهزيمة النفسية أمام ثراء الفاسقين وتفوق أرباب الباطل؛ والواجب على الدعاة فضح زيف هذه الاستعراضات وتوجيه الأنظار إلى القيم الحقيقية.
الآثار التربوية والوجدانية:
سلامة القلب من حسد أهل الدنيا على ما أوتوا من المتاع الزائل.
قياس الأشخاص بحسب ما عندهم من التقوى والعلم لا بحسب ما يمتلكون من العقارات والأموال.