أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/629)جامع البيانالطبري١٩/٦٢٩ بسنده عن قتادة ومجاهد والسدي: "يقال لهؤلاء المشركين تقريعاً وإلزاماً بالعجز: {ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ} الذين عبدتموهم في الدنيا لينقذوكم مما أنتم فيه، فنادوهم واستغاثوا بهم، {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} ولم ينطقوا ولم يدفعوا عنهم شيئاً، {وَرَأَوُا الْعَذَابَ}: وعاينوا النار بأعينهم وأيقنوا بمواقعتها، {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ}: أي لو كانوا في الدنيا اهتدوا إلى الحق وإخلاص التوحيد لما عاينوا هذا العذاب الأليم ولا وقفوا هذا الموقف المهين".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/247)مصدر غير محدد٦/٢٤٧: قيل لهم ذلك على وجه الإهانة وإظهار عجز آلهتهم؛ فدعوها فلم تجبهم وتيقنوا الخلود في الجحيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{وَقِيلَ}: القائل هو الله تعالى أو الملائكة بأمره توبيخاً وتبكيتاً.
{ادْعُوا}: استغيثوا ونادوا واطلبوا النصرة والغوث.
{شُرَكَاءَكُمْ}: أصنامكم وأندادكم الذين زعمتموهم شركاء لله في العبادة.
{فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا}: لم يجيبوا ولم يغيثوا ولم ينطقوا بكلمة نصرة.
{وَرَأَوُا الْعَذَابَ}: عاينوا نار جهنم وأغلالها وسلاسلها عياناً بعد أن كانوا يكذبون بها.
الإعراب:
{وَقِيلَ}: الواو عاطفة، قيل فعل ماض مبني للمجهول.
{ادْعُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{شُرَكَاءَكُمْ}: مفعول به منصوب والكاف مضاف إليه، والجملة في محل رفع نائب فاعل لقيل ومقول القول.
{فَدَعَوْهُمْ}: الفاء عاطفة تفيد المبادرة، دعوهم فعل وفاعل ومفعول به.
{لَوْ}: حرف شرط غير جازم يفيد التمني أو التحسر والامتناع.
{أَنَّهُمْ}: أن واسمها.
{كَانُوا}: كان واسمها، وجملة {يَهْتَدُونَ} خبر كان، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها فاعل لفعل محذوف تقديره "لو ثبت اهتداؤهم"، وجواب لو محذوف تقديره "لما رأوا العذاب".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإفلاس العملي وانكشاف السراب:
تدرج مشهدي يبلغ الذروة في الإهانة؛ بعد التوبيخ اللفظي في الآيات السابقة، يُطلب منهم تطبيق دعواهم عملياً: {ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ}؛ فيدعوا تلك الأصنام وتلك الآلهة المزيفة بكل يأس وتوسل، ولكن الجواب صمت مطبق وعدم استجابة {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ}؛ وفجأة تنكشف الحجب وتبرز جهنم أمام أعينهم {وَرَأَوُا الْعَذَابَ}؛ لتنقطع الأنفاس وتبدأ حسرة الأبد: {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عجز المعبودات الباطلة في موطن الحاجة العظمى:
محاكمة برهانية قاطعة:
الآية تفضح جوهر الشرك؛ فالإنسان إنما يتخذ الصاحب أو الشريك أو الإله ليدخره للنوائب ويستنصره عند الشدائد؛ وهؤلاء صرفوا أعمارهم في عبادة آلهة باطلة، فلما جاؤوا إلى أعظم مأزق في تاريخهم الوجودي في القيامة تخلت عنهم وعجزت عن دفع مثقال ذرة من العذاب عنهم؛ فكانت تجارتهم خاسرة وعقائدهم محض سراب.
{فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا}؛ لبيان سرعة اضطرارهم للدعاء، وسرعة خذلان الشركاء لهم دون أدنى استجابة؛ وهو أبلغ في تصوير الخيبة.
حذف جواب {لَوْ}:
حذف الجواب في قوله {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ} لتهويل ما فاتهم من النجاة وما وقعوا فيه من الهلاك؛ فالتقدير: لو أنهم اهتدوا في الدنيا لما ذاقوا هذا الخزي، ولا حلت بهم هذه الحسرة، ولظفروا بالنعيم المقيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه الرجاء والاستغاثة لله وحده:
من استغاث بغير الله في حياته خُذل في مماته وآخرته؛ فالرجاء والدعاء عبادة لا تصرف إلا لمن يملك النفع والضر وهو الحي القيوم.
اغتنام فرصة الحياة قبل معاينة العذاب:
الهداية مقبولة في دار الدنيا، أما بعد معاينة العذاب ورؤيته فلا ينفع الندم ولا تنفع التوبة: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}.