أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/534)جامع البيانالطبري١٩/٥٣٤ بسنده: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ}: "ساق الماء التابوت حتى أسنده إلى شجرة عند قصر فرعون، فأخذته جواري امرأة فرعون فأدخلنه إليها، ففتحته فإذا صبي من أحسن الناس وجهاً وأجملهم، فوقعت عليه محبة من الله في قلبها وقلب كل من رآه، {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا}: أي وكانت عاقبة التقاطهم إياه أن صار لهم عدواً في دينهم ومسقطاً لملكهم وحزناً يدخل الغم والهلاك على بيوتهم".
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (6/220)مصدر غير محدد٦/٢٢٠: اللام في {لِيَكُونَ} تسمى لام العاقبة والصيرورة؛ لأنهم لم يلتقطوه ليجعلوه عدواً لهم، بل التقطوه رجاء النفع والتبني، ولكن لما كانت عاقبة أمرهم إلى العداوة والحزن أجرى اللام مجرى لام التعليل مجازاً وبلاغة؛ لإظهار القدرة الإلهية الباهرة.
وقرأ حمزة والكسائي: {وَحُزْنًا} بضم الحاء وسكون الزاي، وقرأ الباقون {وَحَزَنًا} بفتح الحاء والزاي، وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{فَالْتَقَطَهُ}: الالتقاط هو أخذ الشيء الضائع الساقط الذي لا يعرف مالكه من غير طلب ولا قصد سابق.
{خَاطِئِينَ}: واقعين في الخطيئة والإثم العظيم المتعمد؛ والفرق بين الخاطئ والمخطئ أن الخاطئ هو المتعمد للذنب، والمخطئ من وقع في الخطأ بلا قصد.
الإعراب:
{فَالْتَقَطَهُ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب المباشر، التقط فعل ماض مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل مفعول به مقدم.
{آلُ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف إلى {فِرْعَوْنَ} المجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
{لِيَكُونَ}: اللام لام العاقبة والصيرورة، يكون مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد اللام، واسمه مستتر تقديره هو يعود على موسى.
{لَهُمْ}: متعلقان بالخبر أو حال منه.
{عَدُوًّا}: خبر يكون أول منصوب بالفتحة.
{وَحَزَنًا}: معطوف على عدواً منصوب بالفتحة.
{إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ}: إن واسمها والمعطوف عليه منصوبان بالفتحة.
{وَجُنُودَهُمَا}: معطوف منصوب، والهاء مضاف إليه.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص واسمه (الواو)، والجملة خبر إن.
{خَاطِئِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدبير الخفي والسخرية بالباطل:
سياق النظم مذهل؛ فرعون يبحث في كل بيت في مصر ليذبح المواليد، فيسوق الله الرضيع في صندوق خشبي عبر النهر ليرسو عند شاطئ قصر فرعون بالذات، وتلتقطه أيدي آل فرعون أنفسهم! فيتحول حماة القصر إلى مربين وحراس لعدوهم اللدود، لتتجلى عظمة القهار الذي إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه من حيث لا يحتسب الخلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين "الخاطئ" و"المخطئ" ودلالته العقدية:
محاكمة لغوية أصولية:
ختم الآية بقوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}؛ ولم يقل "مخطئين"؛ لأن المخطئ من أراد الصواب فحاد عنه بجهل دون قصد، وهذا معذور في الشرع {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}؛ أما "الخاطئ" (من خَطِئ يَخْطَأ) فهو المتلبس بالخطيئة عمداً واستكباراً؛ ففرعون وهامان وجنودهما كانوا مجرمين آثمين عن سابق إصرار وعناد؛ فعاقبهم الله بعمى البصيرة حتى ربوا حتفهم بأيديهم.
استعمل اللام الأصل فيها التعليل {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} لتنزيل عاقبة الفعل منزلة الغاية المقصودة؛ إشعاراً بأن تدبير الله قاهر ونافذ بحيث جعل مآل فعلهم عين ما يكرهون، فكأنهم بسعيهم والتقاطهم إنما كانوا يبحثون عن عدوهم ليهلكهم!
التقاط الآل لا فرعون وحده:
قال: {آلُ فِرْعَوْنَ} ليشمل امرأة فرعون وجواريه وحراسه؛ ليظهر أن البيئة كلها سخرت لحفظ هذا الرضيع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عجز المكر البشري أمام تقدير الله:
من حارب أولياء الله ساقه الله إلى حتفه بنفس السلاح والوسائل التي يظن فيها نجاته.
الطمأنينة لأقدار الله:
المؤمن لا يجزع عندما تقع الأحداث في ظاهرها في قبضة الأعداء؛ فالله يدير الأقدار بحكمة بالغة ليصنع من قلب المحنة أعظم منحة.