أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/529)جامع البيانالطبري١٩/٥٢٩ بسنده عن قتادة ومجاهد: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} قال: "كان فرعون قد حُذِّر أن يولد في بني إسرائيل مولود يذهب ملكه على يديه، فكان يذبح أبناءهم حذراً من ذلك، فأراه الله هو وهامان وجنودهما من موسى وبني إسرائيل ذلك المحذور بعينه؛ فربّاه في حجره وهلكوا جميعاً على يديه".
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (6/219)مصدر غير محدد٦/٢١٩: التمكين هو بسط السلطان ونفوذ الكلمة واستقرار الأمر في مصر والشام، وجزاء كيدهم أن أراهم الله ما كانوا يحاذرونه من زوال ملكهم وهلاك أنفسهم وغرق جندهم على يد هذا الرضيع المستضعف.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية خلف: {وَنُرِيَ} بنون العظمة، وقرأ الأعمش وحمزة في رواية {وَيُرِيَ} بالياء أي ويرى الله، وقرأ الباقون بالنون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{وَنُمَكِّنَ}: التمكين جعل الشيء مكِيناً ثابتاً مستقراً لا يتزعزع، وهو استقرار الدولة والسلطان.
{هَامَانَ}: وزير فرعون الأكبر ومدير مشاريعه وجيوشه ورأس المكر في دولته.
{مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}: الأمر المخوف الذي كانوا يخافون وقوعه ويبذلون كل حيلهم ودماء الأطفال لتفاديه.
الإعراب:
{وَنُمَكِّنَ}: معطوف على {نَّمُنَّ} منصوب بأن مضمرة.
{لَهُمْ}: متعلقان بـ{نُمَكِّنَ}.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلقان بـ{نُمَكِّنَ}.
{وَنُرِيَ}: معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
{فِرْعَوْنَ}: مفعول به أول لنري منصوب بالفتحة لمنعه من الصرف.
{وَهَامَانَ}: معطوف على فرعون منصوب بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
{وَجُنُودَهُمَا}: معطوف منصوب، والهاء مضاف إليه.
{مِنْهُم}: جار ومجرور متعلقان بنري أو حال من المفعول الثاني.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثان لنري.
{كَانُوا يَحْذَرُونَ}: كان واسمها، وجملة يحذرون خبرها، وجملة الصلة لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة المفارقة والسخرية الإلهية من كيد الطغاة:
عطف {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ...} على {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ} يبرز المشهدين معاً: رفعة المستضعفين وتمكينهم في الأرض متزامنة مع إذلال المتجبرين ورؤيتهم لمصرعهم وهلاك سلطانهم بأعينهم؛ ليكون العذاب حسرة نفسية قبل أن يكون عقاباً بدنياً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية القدر وبطلان الحذر البشري أمام مشيئة الله:
محاكمة فلسفية وسننية:
الآية تقرر قاعدة كونية خالدة: "الحذر لا يدفع القدر إذا جاء أمر الله"؛ ففرعون استفرغ وسعه وطاقته الاستخباراتية والعسكرية وجيش الجيوش لذبح كل ذكر يولد، وظن أنه استطاع تأمين عرشه ومستقبله؛ ولكن الله بحكمته ولطفه جعل مكمن حتفه هو عين ما بذل جهده لدفعه؛ فأثبت للعالمين أن كيد الكافرين في تباب.
ذكر "هامان" وتصديق الاكتشافات الأثرية للقرآن:
محاكمة تاريخية إعجازية:
كان المستشرقون يطعنون في ذكر "هامان" في قصة فرعون ويزعمون أن القرآن خلط بينه وبين هامان المذكور في سفر أستير في بابل؛ حتى تم فك رموز حجر رشيد وقراءة النقوش الهيروغليفية المصرية القديمة، فاكتشف اسم "هامان" ولقبه كرئيس لعمال البناء والمقالع الحجرية في البلاط الفرعوني المعاصر؛ فكان هذا التصديق التاريخي الحاسم برهاناً ساطعاً على إعجاز القرآن التاريخي وعصمته.