أخرج الطبري في "جامع البيان" (19/553)جامع البيانالطبري١٩/٥٥٣ بسنده عن ابن عباس ومجاهد: لما عاتب موسى الإسرائيلي بقوله {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ}، همّ موسى أن يبطش بالقبطي المعتدي؛ فلما رآه الإسرائيلي يقبل بشدة ظنّ لجهله وخوفه أن موسى يريد أن يبطش به هو بسبب توبيخه له، فصاح الإسرائيلي فزعاً: {يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ}، فسمع القبطي ذلك فأيقن أن موسى هو قاتل القبطي بالأمس، فانطلق مسرعاً إلى فرعون فأخبره بالخبر، فاشتد غضب فرعون وأمر بقتل موسى.
ورجح ابن كثير في "تفسيره" (6/226)مصدر غير محدد٦/٢٢٦: أن القائل هو الإسرائيلي لجبنه وخوره وسوء ظنه بنبيه، وقيل: بل القائل هو القبطي لما رأى بطش موسى مقبلاً نحوه؛ والقول الأول هو الراجح المأثور عن جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{يَبْطِشَ}: البطش هو الأخذ بعنف وسطوة وقوة.
{عَدُوٌّ لَّهُمَا}: عدو لموسى وللإسرائيلي لأنه قبطي كافر متسلط.
{جَبَّارًا}: الجبار هو القاهر للناس بغير حق، الذي يقتل على الغضب ويسطو بلا ميزان شرعي.
{الْمُصْلِحِينَ}: الساعين في إقامة العدل وصيانة النفوس وحفظ الحقوق.
{كَمَا}: الكاف حرف تشبيه وجر، ما مصدرية، قتلت فعل وفاعل، والمصدر المؤول في محل جر بالكاف متعلق بمحذوف مفعول مطلق؛ أي قتلاً مثل قتلك.
{نَفْسًا}: مفعول به لقتلت. {بِالْأَمْسِ}: متعلقان بقتلت.
{إِن}: حرف نفي بمعنى ما. {تُرِيدُ}: مضارع وفاعله. {إِلَّا}: أداة حصر.
{أَن تَكُونَ}: المصدر المؤول مفعول به لتريد، واسم تكون ضمير مستتر أنت.
{جَبَّارًا}: خبر تكون منصوب. {فِي الْأَرْضِ}: متعلقان بجباراً.
{وَمَا تُرِيدُ}: الواو عاطفة، ما نافية، تريد مضارع وفاعله.
{أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ}: المصدر المؤول مفعول به، وتكون واسمها وخبرها الجار والمجرور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انكشاف السر وتسارع الأحداث:
أسلوب قرآني درامي بالغ الإثارة؛ فبكلمة طائشة نطق بها هذا الإسرائيلي الجبان، انهار ستار الكتمان الذي حرص موسى عليه يومين، وذاع خبر القتل المجهول الذي كان يبحث عنه القصر؛ لتتحول حياة موسى في لحظة واحدة من أمير في القصر إلى مطلوب للعدالة مهدد بالقتل؛ مسيرة القدر التي تسوقه إلى مدين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على تهمة "الجبروت" الموجهة لموسى:
محاكمة نفسية وسلوكية:
اتهم المتكلم موسى بأنه يريد أن يكون {جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ} وما يريد الإصلاح؛ وهذا ديدن الجبناء والسفهاء في قلب الحقائق وتشويه نيات المصلحين؛ فموسى عليه السلام لم يقصد البطش إلا لدفع العدوان ونصرة المظلوم بعد استغاثته، ولم يسع قط إلى استبداد ولا جبروت، لكن صاحب الهوى يقيس دوافع الأطهار بموازين نفسه الخبيثة.
{فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ}؛ حرف "أن" يزاد بعد "لما" في لغة العرب لإفادة المفاجأة والمبادرة بالعلة؛ أي ما إن شرع موسى في البطش وهمّ به حتى بادره القائل بالصياح فوراً دون مهلة.
المقابلة بين {جَبَّارًا} و{الْمُصْلِحِينَ}:
مقابلة جذرية تكشف تناقض المسلكين: الجبروت هو فرض الإرادة بالقهر والقتل والعدوان، والإصلاح هو البناء بالعدل والرحمة والحكمة؛ والداعية مصلح رحيم لا جبار معتد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من إفشاء الأسرار وتضييع قضايا الحق:
كلمة واحدة غير مسؤولة قد تضيع مجهود سنوات وتعرض حياة الدعاة والمصلحين للخطر؛ فالواجب حفظ اللسان ووزن الكلمات في أوقات المحن.
الصبر على سوء فهم الناس وجحودهم:
موسى عرض نفسه للخطر بالأمس لإنقاذ هذا الرجل، واليوم يجازيه الرجل بفضحه واتهامه بالجبروت! وهكذا يلقى المصلحون في كثير من الأحيان نكراناً للجميل؛ فعليهم احتساب الأجر عند الله دون يأس.