أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/625)جامع البيانالطبري١٩/٦٢٥ بسنده عن مجاهد وقتادة والسدي: "نزلت هذه الآية في المقارنة بين المؤمن والكافر؛ قيل نزلت في رسول الله ﷺ وأبي جهل، وقيل في علي بن أبي طالب وحمزة في مقابل أبي جهل، وقيل في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة؛ والمغزى عام في كل من وعده الله بالجنة لإيمانه فكان لاقياً إياها حتماً، وبين من متّع في دنياه بالشهوات والأموال ثم هو يوم القيامة يحضر في العذاب والنار مقرناً في الأصفاد".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/246)مصدر غير محدد٦/٢٤٦: {مِنَ الْمُحْضَرِينَ} أي المحضرين في العذاب والنار قهراً وكرهاً، كما قال تعالى: {فَأُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{وَعْدًا حَسَنًا}: الجنة ورضوان الله العظيم والخلود في النعيم.
{فَهُوَ لَاقِيهِ}: صائر إليه وواجد له لا محالة لصدق وعد الله الذي لا يتخلف.
{مَّتَّعْنَاهُ}: أعطيناه متاع الدنيا الفانية من اللذات والشهوات العاجلة.
{الْمُحْضَرِينَ}: الذين أحضروا وسيقوا جبراً إلى النار والعقاب مقيدين بالسلاسل.
الإعراب:
{أَفَمَن}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التعجيبي، الفاء عاطفة، من اسم موصول مبتدأ.
{وَعَدْنَاهُ}: فعل وفاعل ومفعول به أول.
{وَعْدًا}: مفعول مطلق منصوب، أو مفعول به ثان.
{حَسَنًا}: نعت لوعداً منصوب.
{فَهُوَ}: الفاء عاطفة سببية، هو مبتدأ.
{لَاقِيهِ}: خبر مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والهاء مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على الصلة.
{كَمَن}: الكاف حرف تشبيه وجر، من اسم موصول مجرور، والجار والمجرور خبر المبتدأ الأول (من).
{مَّتَّعْنَاهُ}: فعل وفاعل ومفعول به أول والصلة لا محل لها.
{مَتَاعَ}: مفعول به ثان أو مفعول مطلق منصوب، وهو مضاف إلى {الْحَيَاةِ} والدنيا مضاف إليه.
{ثُمَّ}: حرف عطف للتراخي واستبعاد الرتبة.
{هُوَ}: مبتدأ.
{يَوْمَ}: ظرف زمان متعلق بالمحضرين وهو مضاف إلى {الْقِيَامَةِ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقارنة المصيرية الصادمة:
بعد أن قرر في الآية السابقة أن ما عند الله خير وأبقى، جسّد هذا المبدأ في صورة نموذجين بشريين حيين يعيشان في واقع الناس:
رجل مؤمن استمسك بالوعد الإلهي وعاش حياته طائعاً، فمصيره إلى النعيم المحقق {فَهُوَ لَاقِيهِ}.
ورجل كافر أطلق العنان لشهواته في الدنيا وغرق في متاعها، ثم هو في الآخرة محضر في قعر الجحيم مقيداً ذليلاً!
فهل يستوي هذان في عقل أو منطق؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان التسوية بين الأبرار والفجار:
محاكمة عدلية عقلية:
الاستفهام في قوله {أَفَمَن... كَمَن...} استفهام إنكاري يقرر استحالة المماثلة بين الفريقين؛ فالعدالة الإلهية والنواميس الكونية تأبى أن يسوى بين المحسن والمسيء، وبين المتقي والفاجر؛ فمن رضي بلذة أيام معدودة في الدنيا يدفع ثمنها خلوداً في الجحيم هو الخاسر الأعظم.
صيغة اسم الفاعل تفيد تحقق اللقاء وثبوته؛ فوعد الله حاصل وواقع لا محالة كأنه مشهود بالعيان.
الدلالة المرعبة للفظ {الْمُحْضَرِينَ}:
لم يقل "ثم هو في النار" بل قال {مِنَ الْمُحْضَرِينَ}؛ للدلالة على القهر والإذلال والسوق الجبري؛ فالإحضار يطلق في لغة العرب على سوق الجناة والمجرمين إلى المحكمة وساحة القصاص مكرهين مصفدين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرضا بالوعد الإلهي والسلوان عن زينة الدنيا:
المؤمن إذا رأى تقلب الكفار والفجار في النعم والشهوات والقصور في الدنيا، يتذكر قوله تعالى: {أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ} فيمتلئ قلبه بالرضا والطمأنينة ويستصغر كل بريق زائل.
الاستعداد ليوم العرض والإحضار:
الخوف والوجل من هول ذلك اليوم الذي يحضر فيه الظلمة في العذاب، والتماس النجاة بالعمل الصالح قبل فوات الأوان.