قال ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/539)جامع البيانالطبري١٩/٥٣٩: "يقول تعالى ذكره: وقالت أم موسى لأخته -واسمها مريم- بعد أن ثبتها الله وربط على قلبها: {قُصِّيهِ} أي تتبعي أثره، واعلمي علمه أين انتهى به اليم وما فعل به من التقطه، {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ} أي نظرت إليه عن بعد واستخفاء وتنكر كأنها لا تريده ولا تبالي به، {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} بأنها أخته وأنها تتبع أثره".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/222)مصدر غير محدد٦/٢٢٢: كانت أخته شجاعة ذكية حكيمة، سارت بمحاذاة الشاطئ حتى رأت أين استقر، ثم دخلت القصر مستخفية كأنها عابرة سبيل حتى اطلعت على مشهد اضطرابهم في الرضاع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{قُصِّيهِ}: تتبعي أثره وخبره خطوة بخطوة؛ ومنه سمي القاص لأنه يتتبع الآثار والقصص.
{فَبَصُرَتْ بِهِ}: نظرت إليه وأبصرته بعينها عن معرفة وتحقق.
{عَن جُنُبٍ}: عن جانب وبعد، وتوارٍ واستخفاء كأنها تمشي في جانب آخر لا علاقة لها به لئلا يفطنوا لأمرها.
الإعراب:
{وَقَالَتْ}: فعل وفاعل مستتر تقديره هي، والتاء للتأنيث.
{لِأُخْتِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ{قَالَتْ}.
{قُصِّيهِ}: فعل أمر مبني على حذف النون، والياء فاعل، والهاء مفعول به، والجملة مقول القول.
{فَبَصُرَتْ}: الفاء عاطفة سببية، بصرت فعل ماض والفاعل مستتر.
{بِهِ}: متعلقان بـ{بَصُرَتْ}.
{عَن جُنُبٍ}: جار ومجرور في محل نصب حال من الفاعل؛ أي نظرت إليه كائنة في جانب بعيد.
{وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}: الواو حالية، والجملة الاسمية حال ثانية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الأخذ بالأسباب مع كمال التوكل:
لما ربط الله على قلبها وتلقت الوعد، لم تجلس أم موسى مكتوفة الأيدي وتترك الأسباب بدعوى التواكل، بل أمرت ابنتها باتخاذ التدابير الذكية والبحث المستتر {قُصِّيهِ}؛ ليجتمع في المشهد كمال التوكل القلبي مع كمال الأخذ بالأسباب الدقيقة المشروعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الذكاء الاستخباراتي والتنكر في حماية الحق:
محاكمة حركية ودعوية:
تصرف أخت موسى بمشيها {عَن جُنُبٍ} واستخفائها يبرز مشروعية استخدام الذكاء والمناورة والكتمان في مواجهة أجهزة الظلم والاستبداد لحماية الأنفس المؤمنة؛ فالإيمان لا يعني السذاجة، بل يستلزم الفطنة والحذر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ}.
اختيار لفظ "الجنب" يصور لغة الجسد والحركة؛ فهي لم تقف في مواجهتهم بل اتخذت زاوية جانبية توحي بأنها لا تلتفت إليهم، بينما عيناها ترصدان كل حركة؛ وهو قمة المهارة والاحتراس.
تكرار قوله {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}:
تكررت هذه الجملة في القصة للمرة الثانية؛ لتأكيد عمى البصيرة الذي أصاب فرعون وجنده؛ فالطفل في حضنهم وأخته ترقبه وأمه تترقبه وهم غافلون تماماً عن حقيقة الأمر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدور القيادي والمساند للفتاة المسلمة:
إبراز شجاعة أخت موسى وحسن تصرفها وثباتها في أصعب المواقف؛ مما يربي الفتاة على الإيجابية والذكاء والغيرة على دينها وأسرتها.
التوازن بين القدر والأسباب:
التوكل الصحيح يوجب بذل الوسع والأخذ بالأسباب المشروعة، مع تفويض النتائج لرب البريات.