أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/607)جامع البيانالطبري١٩/٦٠٧ بسنده عن قتادة ومجاهد: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن والتوراة: {فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا}: أي من التوراة والقرآن، في تبيان الحق والتوحيد والشرائع، {أَتَّبِعْهُ}: أكن أول من يتبعه ويعمل بما فيه، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في زعمكم أنهما سحران مفترى".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/240)مصدر غير محدد٦/٢٤٠: هذا تحدٍ عقلي باهر؛ أنصفهم فيه النبي ﷺ غاية الإنصاف؛ فطلب منهم إن كانوا يعيبون هذين الكتابين العظيمين أن يأتوا بكتاب ثالث أهدى منهما ليكون حجة لهم؛ فإن عجزوا ثبت بالدليل القاطع صدق القرآن والتوراة وبطلان كفرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{فَأْتُوا}: أحضروا وأظهروا حجة مكتوبة.
{مِّنْ عِندِ اللَّهِ}: وحياً منزلاً من خالق الكون مبرأ من الهوى والتحريف.
{أَهْدَىٰ}: أعظم هداية ودلالة وبياناً للحق ومصالح العباد.
{مِنْهُمَا}: من التوراة والقرآن المنزّلين على موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
{أَتَّبِعْهُ}: أسر في نهجه وأنقد لأحكامه.
الإعراب:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر أنت.
{فَأْتُوا}: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر، ائتوا أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{بِكِتَابٍ}: متعلقان بائتوا.
{مِّنْ عِندِ}: نعت لكتاب، وعند مضاف إلى اسم الجلالة.
{أَتَّبِعْهُ}: مضارع مجزوم في جواب الطلب (فأتوا)، والفاعل مستتر أنا، والهاء مفعول به.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.
{صَادِقِينَ}: خبر كنتم منصوب بالياء، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإنصاف المعجز وإلجام الخصوم:
قمة المناظرة العقلية والإنصاف القرآني؛ بعد أن طعنوا في الكتابين وزعموا أنهما سحران، لم يقابلهم القرآن بالسباب، بل ألقمهم الحجة بأسلوب التحدي المنصف: هاتوا كتاباً ثالثاً أهدى منهما وأنا أول المتبعين له! وحيث إنه لا يوجد في الوجود كتاب أهدى من التوراة والقرآن فقد انقطعت حجتهم وبان إفلاسهم المطلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المنهجية العلمية في مقارنة النصوص والرسالات:
محاكمة معرفية عقلية:
الآية تؤسس لقاعدة علمية ناصعة: "البحث عن الأهدى والأقوم أينما كان واتباعه"؛ فالإسلام لا يطلب الإيمان الأعمى المتعصب، بل يدعو إلى تحكيم العقل والمقارنة الموضوعية بين المناهج والكتب؛ وبما أن التوراة (في أصلها) والقرآن هما قمة الهداية والعدل والبيان، فإن العجز عن الإتيان بمثلهما أو بما هو أهدى منهما دليل عقلي ملزم على أنهما من عند الله الحق.
مجاراة للخصم وتنزلاً معه في الجدل المنصف؛ أي إن كنتم تزعمون فيهما نقصاً فهاتوا ما يفوقهما هداية ورشداً؛ وهو تعجيز قاطع يخرس كل معاند.
جزم {أَتَّبِعْهُ} في جواب الطلب:
ترتيب الاتباع فورياً على مجرد إحضار الكتاب الأهدى؛ لإبراز صدق النبي ﷺ وتجرده المطلق للحق؛ فهو لا يتبع هوى ولا يتعصب لشخصه، بل يدور مع الحق والهداية حيث دارت.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التجرد للحق والإنصاف في الحوار:
على الداعية والمناظر أن يتحلى بروح الإنصاف والموضوعية مع الخصوم؛ فالحق أبلج والباطل لجلج؛ وصاحب الحجة القوية لا يخشى المقارنة والتحدي.
الاعتزاز بهيمنة القرآن وهدايته:
القرآن كتاب الهداية المطلقة الذي لا يدانيه كتاب في حفظ حقوق الإنسان وإقامة العدل وصيانة الأخلاق؛ فمن طلب الهدى في غيره أضله الله.