أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/614)جامع البيانالطبري١٩/٦١٤ بسنده عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: "لما أسلم وفد الحبشة ونجران بمكة، اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فسبوهم وشتموهم وقالوا لهم: خيبكم الله من وفد! بعثكم قومكم لتعلموا خبر الرجل فما جلستم عنده حتى صبأتم وصدقتموه! فلم يردوا عليهم بمثل قبيح كلامهم، بل صفحوا عنهم وقالوا بأدب ووقار: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}: أي سلام متاركة ومفارقة، لا نريد مخالطة السفهاء ولا نقابل الجهل بالجهل، لنا ديننا ولكم دينكم".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/243)مصدر غير محدد٦/٢٤٣: هذا من كمال خلق المؤمنين؛ إذا أوذوا بكلام ساقط أو شتم لم يقابلوه بمثله، بل يعرضون ويصفحون كما قال تعالى في صفات عباد الرحمن: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{اللَّغْوَ}: الكلام الساقط الباطل الذي لا فائدة فيه من الشتم والسخرية والسفه.
{أَعْرَضُوا عَنْهُ}: صدفوا عنه وتجاهلوه ولم يشتغلوا بالرد عليه.
{لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ}: براءة من دينهم وسلوكهم، وكل مجزي بعمله.
{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ}: سلام متاركة وأمان لا سلام تحية وموالاة؛ أي سلمتم منا فلا نؤذيكم بلسان ولا يد.
{لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}: لا نطلب مصاحبة السفهاء ولا نحب مناظرة أهل الهوى والطيش.
الإعراب:
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، إذا ظرفية شرطية.
{سَمِعُوا}: فعل وفاعل والجملة في محل جر مضاف إليه.
{اللَّغْوَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{أَعْرَضُوا}: جواب إذا فعل وفاعل والجملة لا محل لها.
{الْجَاهِلِينَ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج المناقب بالترفع عن السفهاء:
كمال النضج الإيماني؛ بعد أن أثبت صبرهم وإنفاقهم ودفعهم بالتي هي أحسن، ذكر موقفهم الحاسم مع اللغو والسفهاء؛ فهم أصحاب رسالة وأصحاب وقت ثمين، لا يضيعون طاقتهم في مهاترات رخيصة مع الجهلاء، بل يضعون حداً للمهاترة بإعلان المتاركة الهادئة الحازمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الفرق بين سلام المتاركة وسلام التحية:
محاكمة فقهية لغوية:
قد يسأل سائل: كيف قالوا للكفار {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} والشرع ينهى عن ابتداء الكافر بالسلام؟!
والجواب المحكم عند أئمة التفسير كابن جرير والقرطبي وابن كثير: هذا السلام ليس سلام تحية ولا إكرام ولا مودة، وإنما هو "سلام متاركة وتوديع ومفارقة"؛ أي سلمتم منا فلن تسمعوا منا شتماً ولا جهلاً كما سمعنا منكم؛ كما قال إبراهيم لأبيه الكافر: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي}؛ فهو إعلان للكف عن الأذى وتأكيد للترفع عن السفه.