البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 302)مصدر غير محدد١٨/٣٠٢ عن قتادة ومجاهد والضحاك: "يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مذكراً له بنعمته العظمى: وما كنت يا محمد تؤمل وترجو قبل نزول الوحي أن ينزل عليك هذا القرآن العظيم وتصطفى للرسالة، ولكن الله اصطفاك برحمة منه وفضل سابغ لم تطلبه بكدك ولا بحيلتك".
{فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ}: الظهير هو المعين والمساعد؛ أي فلا تعن الكفار على باطلهم بموافقتهم أو مداهنتهم في شيء من دينهم، بل قاوم شركهم واصدع بما تؤمر.
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 259)مصدر غير محدد٦/٢٥٩: "هذا تذكير بالنبوة العظمى لتدفع النبي إلى دوام البراءة من أعداء الله وألا يمالئهم ولا يركن إليهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
تَرْجُو: الرجاء هو تعلق القلب بحصول أمر محبوب ممكن في المستقبل مع بذل الجهد.
يُلْقَىٰ: الإلقاء هو الإنزال والوحي بالقرآن من الملأ الأعلى إلى قلب النبي عليه الصلاة والسلام.
ظَهِيرًا: المعين والمساند، مأخوذ من الظهر؛ لأن المعين يقوي ظهر صاحبه ويسنده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تأكيد على أن الرسالة والقرآن فضل إلهي محض؛ فكما نجى الله موسى في المهد ونبأه في الطور دون سابق تدبير بشري، كذلك اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم بالقرآن دون ترقب ولا استشراف منه، والموجب لهذا الاصطفاء هو الثبات والصلابة والبراءة التامة من موالاة الكافرين.
التناسب التركيبي الداخلي:
الربط بين تذكر النعمة الربانية {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} وبين الأمر بالمفاصلة العقدية {فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ}؛ فشكر نعمة الوحي يقتضي الصدع به ومحاربة الباطل لا مصانعته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة النهي عن الظهور للكافرين مع عصمة النبي:
قد يسأل سائل: كيف ينهى النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم عن أن يكون ظهيراً للكافرين، وهو أبعد الناس عن ذلك؟
الجواب الذي أطبقت عليه تفاسير أهل السنة: أن الخطاب وإن كان موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن المراد به أمته والدعاة من بعده على طريقة "إياكِ أعني واسمعي يا جارة"، أو هو لزيادة التثبيت واستدامة العصمة؛ فالتحذير من المحرم لا يستلزم وقوعه، بل يستلزم استمرار النفور منه والتحصن ضده.
التوكيد بالنون الثقيلة {فَلَا تَكُونَنَّ}: لإفادة الشدة والتحذير البالغ من أدنى مداهنة أو ركون لأعداء الملة.
الاستثناء المنقطع في {إِلَّا رَحْمَةً}: للإشعار بعظمة هذا العطاء القرآني وأنه لا يقابله سعي بشري، بل هو الرحمة الإلهية الصرفة التي غمرت الوجود.
الظلال التدبرية والإشارية:
حامل القرآن يجب أن يستشعر عظم الشرف الذي حمله؛ فمن أكرمه الله بالقرآن لا يجوز له أن يذل نفسه للطواغيت أو يبيع آيات الله لنيل رضا أهل الباطل أو التكسب المادي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
حرمة التنازل عن الثوابت العقدية لإرضاء الخصوم؛ فالداعية قد يتعرض لضغوط هائلة من أهل القوة والمال، والآية تأمره بالمفاصلة وقطع كل حبال الظهارة والمعاونة لهم.
الآثار التربوية والوجدانية:
استشعار الفضل الإلهي بالهداية دون استحقاق ذاتي، مما يورث التواضع والانكسار بين يدي الله.
البراءة الصادقة من أعداء الله وأهل الشرك والنفاق بالقلب واللسان والعمل.