أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/588)جامع البيانالطبري١٩/٥٨٨ بسنده عن قتادة ومجاهد: "انطلق موسى وهارون عليهما السلام حتى دخلا على فرعون في قصره بآيات الله المعجزات البينات الواضحات؛ وهي العصا واليد البيضاء، فدعواه إلى عبادة الله وحده وترك الاستعباد لبني إسرائيل؛ فبهت فرعون وملؤه وعجزوا عن مقارعة الحجة، فما كان جوابهم إلا أن قالوا مستكبرين: {مَا هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى} أي هذا الذي جئت به سحر كاذب مختلق تموه به على الناس، {وَمَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} أي ما سمعنا بهذا التوحيد ولا بهذه الدعوة في أسلافنا وقروننا الماضية".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/234)مصدر غير محدد٦/٢٣٤: لجأ المستكبرون كعادتهم عند الإفلاس العقلي إلى سلاحين قديمين: تهمة السحر لرد المعجزات، وحجة التقليد الأعمى للآباء والأجداد لرد التوحيد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{بَيِّنَاتٍ}: واضحات دلالتها ظاهرة لا تقبل الشك ولا الاشتباه في صدقها.
{سِحْرٌ}: تخييل وتمويه وتلبيس وخداع للبصر.
{مُّفْتَرًى}: مختلق كذباً وزوراً مصنوع بحيلة.
{آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ}: أسلافنا وقروننا السابقة الذين درجوا على الشرك والوثنية.
الإعراب:
{فَلَمَّا}: رابطة شرطية.
{جَاءَهُم}: فعل ومفعول به مقدم.
{مُّوسَىٰ}: فاعل مؤخر مرفوع بضمة مقدرة.
{بِآيَاتِنَا}: متعلقان بـ{جَاءَ}، ونا مضاف إليه.
{بَيِّنَاتٍ}: حال منصوبة بالكسرة لأنها جمع مؤنث سالم.
{قَالُوا}: جواب لما لا محل لها.
{مَا}: نافية مهملة.
{هَٰذَا}: اسم إشارة مبتدأ.
{إِلَّا}: أداة حصر وإلغاء.
{سِحْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُّفْتَرًى}: نعت لسحر مرفوع بضمة مقدرة على الألف.
{وَمَا}: الواو عاطفة، ما نافية.
{سَمِعْنَا}: فعل وفاعل.
{بِهَٰذَا}: متعلقان بسمعنا.
{فِي آبَائِنَا}: متعلقان بسمعنا أو بمحذوف حال، وآباء مضاف إلى نا.
{الْأَوَّلِينَ}: نعت لآبائنا مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المواجهة الأولى وتكتيكات الباطل العاجز:
طوى السياق مسافة السير الطويلة من سيناء إلى مصر واللقاء بهارون، ونقلنا مباشرة إلى قاعة العرش والمواجهة؛ ليبرز التناقض الساطع بين وضوح الآيات الربانية {بَيِّنَاتٍ} وتهافت الرد الفرعوني الذي لم يجد سوى السحر والتقليد مبرراً للإنكار؛ مما يفضح هشاشة المنطق الطاغوتي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك شبهة التقليد الأعمى للتراث والآباء:
محاكمة فكرية عقلية:
احتجاج فرعون بقوله: {وَمَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} يمثل المرض المزمن الذي أصاب كل الأمم المكذبة؛ وهو تقديس الموروث الباطل لمجرد قدمه؛ والقرآن يحاكم هذا العقل الرجعي: هل كان آباؤكم معصومين حتى يكون فعلهم حجة على الحق؟! ولو كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون أتتبعونهم؟! فالقدم ليس دليلاً على الصواب، والحق مستقل بذاته يقاس بالبرهان لا بالتاريخ الموروث.