أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/531)جامع البيانالطبري١٩/٥٣١ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ}: "قالوا: وحي إلهام وقذف في القلب ورؤيا صادقة رآها في منامها كأن قائلاً يقول لها ذلك، وليس وحي نبوة وتشريع؛ لأنها لم تكن نبية، وإنما هي صديقة ملهمة كامرأة عمران ومريم ابنة عمران".
ونقل ابن كثير في "تفسيره" (6/220)مصدر غير محدد٦/٢٢٠: لما ولدت موسى خافت عليه من زبانية فرعون، فألهمها الله وصنع لها تابوتاً صغيراً مبطناً، فكانت ترضعه فإذا خشيت دخل عليها أحد جعلته في التابوت وألقته في بحر النيل وربطت التابوت بحبل، فانقطع الحبل ذات يوم وذهب به تيار الماء، فأثبت الله قلبها بالوعد الإلهي العظيم: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{وَأَوْحَيْنَا}: الوحي هنا وحي الإلهام والقذف في القلب الفطري الصادق كما في قوله: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}.
{الْيَمِّ}: بحر النيل العظيم في مصر، ويسمى النهر العظيم يماً لعظمه واتساعه.
{وَلَا تَخَافِي}: لا ناهية، والخوف توقع المكروه في المستقبل من الغرق أو القتل.
{وَلَا تَحْزَنِي}: الحزن هو الألم النفسي على ما فات ومضى من فراقه وبُعده عن حضنها.
{رَادُّوهُ}: اسم فاعل دال على ثبوت الرد وتحققه الجازم.
الإعراب:
{وَأَوْحَيْنَا}: الواو استئنافية، أوحينا فعل ماض وفاعله نا.
{إِلَىٰ أُمِّ}: متعلقان بـ{أَوْحَيْنَا}، وأم مضاف إلى {مُوسَىٰ}.
{أَنْ أَرْضِعِيهِ}: أن مفسرة للوحي لا محل لها أو مصدرية، أرضعيه فعل أمر مبني على حذف النون، والياء فاعل، والهاء مفعول به.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة تفريعية، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان شرطي.
{خِفْتِ}: فعل وفاعل، والجملة في محل جر مضاف إليه.
{عَلَيْهِ}: متعلقان بـ{خِفْتِ}.
{فَأَلْقِيهِ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، ألقيه أمر مبني على حذف النون والياء فاعل والهاء مفعول به، والجملة جواب الشرط.
وهذا من أبدع صور الإعجاز البياني الذي لا يتأتى للبشر في عبارة موجزة فائقة الإحكام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يكون الخوف سبباً للإلقاء في اليم المهلك؟
محاكمة عقلية وإيمانية:
في موازين العقل المجرد: إذا خاف الإنسان على طفله حماه في حضنه وأخفاه في غرفته، وإلقاؤه في نهر متلاطم الأمواج هو عين الهلاك ومظنة الغرق؛
ولكن في ميزان الإيمان بالله وقدرته: البحر جند من جنود الله، وأقداره تحفظ الرضيع في بطن الحوت وفي قلب النهر؛ فأمرها الله بإلقائه ليتجرد قلبها من الاعتماد على الأسباب المادية المألوفة إلى الاعتماد الخالص على مسبب الأسباب وكفالته التامة؛ فكان النهر أأمن له من بيته وأحضان أمه في حفظ الله ورعايته.